تونس.. أزمة إدارة الشأن الدينى

لا بد من الإشراف على الخطاب الديني

ما تزال قضية عزل الأئمة تثير جدلا فى الأوساط السياسية وتشغل الرأى العامّ التونسى. فبعد الهدنة السياسية التى فرضها مسار الانتخابات وما أفضت إليه من نتائج ها هو الصراع يعود من جديد بين حزب النهضة وحزب النداء ومعسكر الإسلاميين ومعسكر العلمانيين. ولئن آثرت النهضة سياسة الهجوم والضغط والتهديد فإنّ النداء التزم سياسة الردّ الهادئ وترك إدارة الأزمة بيد الناطقين الرسميين باسم الوزارة.

وبالرجوع إلى التصريحات الكثيرة التى أدلى بها قياديو النهضة نتبيّن أن الهجوم على وزير الشئون الدينية والقرارات التى اتّخذها من أجل تحييد المساجد يهدف إلى إثبات أنّ النهضة حزب قوى وبإمكانه أن يهدّد استقرار البلاد إذا لم تؤخذ مصالحه بعين الاعتبار. وقد أفرزت هذه التصريحات مجموعة من المصطلحات الجديدة فعزل الإمام يهدد «الأمن الروحى» ويثير «الفتنة الوطنية» ويقضى على «التوافق الوطنى» وبناء على ذلك فلا حلّ سوى «الحوار الوطنى الدينى».

بيد أنّ المتأمّل فى دلالات هذا المقترح يتفطّن إلى مقاصد حزب النهضة من وراء هذا الحوار والمتمثلة فى التحكم فى الحريات والإشراف على تجديد الخطاب الدينى والهيمنة على الشأن الدينى من خلال إيقاف العمل بتعيين الوزارة للأئمة وتعويض ذلك باختيار المصلين إمامهم. وسينجم عن هذا الإجراء سحب البساط من تحت وزير الشئون الدينية إذ يغدو مجردا من أكثر صلاحياته.

والنهضة إذ تفعل ذلك إنّما تقوّض سياسة تحييد المساجد وتعيد إحياء العمل الدعوى من جديد بما يخدم الدعاية السياسية وتوسيع قاعدتها من جديد، وهو ما يؤكد عدم انفصال الدينى عن السياسى. ولا يمكن التغاضى عن مقصد آخر من وراء الدعوة إلى الحوار الوطنى حول إدارة الشأن السياسى وهو تفريغ كل خطاب داع إلى ربط الدين بالحريات الشخصية من فاعليته وتجريده من مصداقيته فلا مجال لترك الفرد يدبّر بنفسه تحديد علاقته بالخالق من عدمها.

وبقطع النظر عن هذه المحاولة لبسط النفوذ على الشأن الدينى ولعودة الربط بين الدينى والسياسى فإنّ إلقاء القبض على بعض الأئمة بدعوى الفساد المالى ثمّ إطلاق سراحهم قبيل يوم الجمعة، وهو الموعد الذى قرّر فيه أنصار الإمام اللخمى تعطيل صلاة الجمعة لأسبوعين على التوالى يثير تساؤلات جادة حول مدى استقلالية القضاء، والتدخل السياسى فى هذه القضية. والواقع أنّ حزب النهضة لم ينف تدخله فى القضية تحت مسمى «إصلاح ذات البين» وتجنب الفتنة هو أمر يؤكد أنّه لا يقيم وزنا لعلوية القانون وسلطته ولذا فإنّ الإفلات من العقاب صار قاعدة كما أنّ دور القانون فى تنظيم علاقة الفرد بالدولة بات مثيرا للقلق.

لا مناص من القول إنّ إعادة النظر فى مضمون الخطاب المسجدى والخطاب الدينى عموما يعد شرطا أساسيا لتحقيق التغيير الاجتماعى ولكن ما هى الجهات المسئولة عن إدارة الشأن الدينى؟ هل تتدخل الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية فى رسم سياسات الشأن الدينى أم أنّها ستكون مساهمة مثلها مثل مختلف مكونات المجتمع المدنى العاملة على الارتقاء بنمط العلاقات بين الأفراد والجماعات والقوانين ومختلف المؤسسات وفق شروط العيش معا ومدنية الدولة وثقافة المواطنة؟

إنّ خطاب قيادات النهضة إلى حد الآن، لا يوحى باندراج الحزب ضمن هذا التوجه المؤمن بحرية الفرد فى تنظيم علاقته بالخالق والإمام وغيره من العاملين فى الشأن الدينى بل إنّه يؤكد هيمنة الحزب مرّة أخرى على المجال العمومى ورغبته فى التحكم فى الفضاءات المسجدية وتنصله من توافقات تمت عند كتابة الدستور تنص على مدنية الدولة وتحييد المساجد واحترام الحرية الدينية.

ولعلّ السؤال الذى تثيره هذه الأزمة حول تنصيب الأئمة وعزل ذوى الخطاب التكفيرى: لِم حاول حزب النهضة التنصل من مسئوليته فى ترويج الخطاب المتشدّد وأصرّ على تبرئة ساحة وزير الشئون الدينية الأسبق الذى أثبتت مقاطع فيديو انخراطه فى نصرة المجاهدين فى سوريا؟

آمال قرامي

كاتب تونسية