تونس، ثورة ثانية أو لعبة المحاور؟

هل قدر تونس أن تكون السباقة في تغيير مسار الأحداث والتاريخ؟ هل كتب عليها أن تكون دوما الصاعق لتفجير الأوضاع؟ تونس الخجولة، المحبة للهدوء، العاشقة أن لا يذكر اسمها في نشرات الأخبار، إلا في إنجاز اقتصادي، أو انتصار رياضي، أو صدارة سياحية، أو تفوق علمي، تنزع عن وجهها وذاتها الأناة والحلم، وتلبس لباس الفورة والثورة على أشياء غير طبيعية.

بالأمس، قبل عامين، دون مشاورة أحد، قام الشعب التونسي بهبة عارمة لتغيير الوضع الذي أثقل كاهلهم، وأفقر غالبيتهم، وكمم أفواههم، وسلب كرامتهم، وصادر حريتهم، ومسخ أصالتهم، في جنون غير متوقع، سمح "انتحار" البوعزيزي بقلب النظام القائم، وأدخل تونس في حقبة جديدة، يستطيع شعبها أن يحلم بغد أفضل، "انتحار" سمح أيضا بزعزعة العالم العربي بقعة بقعة، وزنقة زنقة.

سنتان بعد ثورة تونس المجيدة، نشاهد أن أرض تونس تحولت إلى برميل بارود، وحقل ألغام قابل للانفجار أو الاشتعال في أي لحظة. يبدو أن الأهداف اليوم مختلفة عن البارحة. البارحة الكل توحد من أجل الإطاحة "بالطاغية" زين العابدين بن علي؛ الإسلاميون، والقوميون والشيوعيون والعلمانيون والليبراليون، في صف واحد لهدف واحد.

الآن انقلب الوضع، وصار التناحر السياسي بين حلفاء الأمس، لقد ساهمت قلة باع الإسلاميين في ممارسة السلطة، ومحاولة الهيمنة عليها، دون إشراك حقيقي لباقي مكونات الحلفاء الثوريين، ساهم كل هذا في الانتقال بتونس إلى هذا الوحل والفوضى.

في البداية كانت إستراتيجية الغنوشي "النظرية" شجاعة وإيجابية، لما أبدى استعدادا على عدم تحمل قيادة البلاد لوحدهم، بإسناد الرئاسة لغيرهم وإعطاء وزارات للشركاء. لكن الأمر كان يبدو جميلا أكثر من اللازم. بعد شهور تبين أن الأمر لم يعدو أن يكون مناورة وحيلة وربحا للوقت ليس إلا. رئاسة بلا صلاحيات هامة، ووزارات غير إستراتيجية للشركاء.

في الأيام الأولى أبانت حادثة تسليم المحمودي البغدادي لليبيا، رغم معارضة الرئيس التونسي للعملية، ومحاولة الاستيلاء عن النقاط المحورية في دواليب الدولة، ومحاولة السيطرة على وسائل الإعلام العمومية، والتضييق على الخاصة منها، وغض الطرف أو التعامل السلبي مع التيار السلفي الجهادي في البداية، كل ذلك كانت مؤشرات للانزلاق السياسي والورطة التي وقع فيها الإسلاميون في تونس.

مع هذا لا يمكننا أن نصور المعارضة بيضاء ناصحة، وأن نبرأها من كل أنانية حركية، ومغامرة سياسية، التطرف لا يجابه بتطرف مثله، لا تُزال نجاسة الدم (القتل السياسي) بنجاسة البول (الفوضى الشعبية) على ثوب تونس الحبيبة على كل الأحوال.

هذا في الشق الداخلي لتفسير أسباب الانفجار الداخلي الذي يقع اليوم في تونس. أما في شقها الخارجي، إن الدخول في محاور خارجية، قد يجلب للبلد منافع اقتصادية وسياسية هامة، كما أنه قد يجلب للبلد متاعب هي في غنى عنها. دخول تونس في محور قطر، تركيا، بلدان الربيع العربي، دفعت بمعارضتها إلى الاتجاه إلى محاور عربية وحتى غربية مضادة لها، لتجد العون الإعلامي، والمالي، والسياسي، وفي تونس، الإسلاميون لم يقصروا في دفع خصومهم إلى أحلاف مضادة! بداية بحلف دول الخليج، وزد على ذلك حلف دول الممانعة، وأيضا الغرب الذي يكون الإسلاميون آخر المرغوب فيهم ليكونوا الحلفاء والشركاء.

لذلك لا يمكن أن ننكر اليوم أن في تونس اليوم، كوكتيل من الأسباب قد تفسر الأوضاع المكهربة هناك، هذه مقاربة لفهم الوضع هناك دون خلفية أو أفكار مسبقة، ومحاولة لفهم مجريات الأمور بعيون على الشعب التونسي أن يعي مصالحه وأن يحفظ مكتسباته، وأن لا يغامر في أجندات لا يعرف مكنوناتها وأهدافها جيدا، وأن يركز على الأهم، وحدة تونس وشعبها وحريتها واستقرارها وسؤددها، دم التونسي غال من كل مصلحة، والشعب التونسي أكبر وأخلد من كل الأحزاب ومن كل التيارات.