توزيع الثروة بعيداً عن بيروقراطية الدولة

بقلم: د. مصطفى الفيتوري

يوم 31 من شهر مارس/آذار هذا العام كان هو التاريخ النهائي لتقديم طلبات الحصول على نصيب كل مواطن من ثروة ولاية ألاسكا، على ان ترحل الطلبات المتأخرة الى العام القادم. ويتم التوزيع هذا العام في ثلاثة تواريخ ثابتة هي 2 أكتوبر/تشرين الأول و16 من نفس الشهر و14 نوفمبر/تشرين الثاني وكان أحتياطي "صندوق ولاية ألاسكا" الأميركية قد بلغ ما يقرب من 40 مليار دولار في العام الماضي، وهي نسبة 25% من عوائد الولاية من النفط والغاز. ويتوقع ان يرتفع هذا المبلغ في العام الجاري بسبب ارتفاع أسعار النفط.
وألاسكا هي ولاية أميركية باعها قيصر روسيا للولايات المتحدة في عام 1867 مقابل 7.2 مليون دولار وهي اليوم من أغنى الولايات الأميركية وأكبرها مساحة. يومها تم شراء الولاية لأن الكونغرس الأميركي قرر أن ما فيها من ثروات مهم جدا لمستقبل الولايات المتحدة الدولة الفتية حينئذ. القيصر بيتر الأكبر قيصر روسيا في ذلك الوقت رأي الأمر بشكل مختلف ولهذا قبل بيعها بسعر بخس وهو اثنان سنت لكل هكتار من الأرض! إذ لم ير القيصر العظيم ولا مستشاروه ما يدفعه الى الاحتفاظ بأي شبر من ألاسكا. وأصبحت الولاية جزءا من الإتحاد الأميركي الفيدرالي المكون للقوة العظمى كما نعرفها اليوم - الولايات المتحدة الأميركية - في عام 1959 وهي الولاية 49 في ترتيب الانضمام الى الفيدرالية الأميركية: جمهورية الولايات المتحدة الأميركية.
الا أن ولاية ألاسكا تتميز عن كل الولايات الأميركية الأخرى كونها تطبق مبدأ خاصا بها في توزيع ثرواتها على أبنائها. ففي العام 1976 وبعد ان أٌكتشف النفط في ألاسكا تنادى المجلس التشريعي في الولاية ليعدل دستورها ويجعل من تأسيس "الصندوق الدائم لولاية ألاسكا" أمراً دستوريا لا يتغير، وليس من حق أي سياسي على مستوى الولاية أو على المستوى القومي ولا حتى الرئيس الأميركي أن يلغيه. ولهذا الصندوق مهمة واحدة وحيدة: جني واستثمار ما قيمته 25% سنويا من إيرادات النفط والغاز والمعادن المستخرجة من أراض الولاية ليتم توزيعها سنويا على السكان. الصندوق بدأ بمبلغ حوالي 900 مليون دولار وفي بعد نظر واضح، رأي المجلس التشريعي في الولاية ان الصندوق يجب أن يكون بعيدا عن أيدي السياسيين لأنهم أقرب الى الفساد منهم الى الأمانة ولهذا تقرر أن تتم أدارة الصندوق عبر شركة مستقلة مهمتها الأولى تحقيق أكبر عائد مالي لسكان الولاية وان تقوم تلك الشركة بقرار من المجلس التشريعي في الولاية بتوزيعه سنويا على أهل ألاسكا. وقد بلغ نصيب كل مواطن مبلغ 1654 دولار في العام الماضي ولا يتغير نصيب الفرد الا بتغير قيمة المبلغ المستحق التوزيع سنويا وليس لأية ظروف أخرى.
نصيب الفرد يتم أحتسابه وفق آلية محددة تقوم على جمع قيمة الصندوق حاليا وما تبقى فيه على مدى السنوات الماضية ومن تم ضربها في 21 وتقسيم الناتج على 2 وخصم أية التزامات مالية للشركة ويتم تقسيم الباقي على عدد السكان في تلك اللحظة شرط أن يكون المتقدم للحصول على نصيبه قد أمضى سنة على الأقل من الإقامة في الولاية، أي أن من انتقل الى الإقامة في الولاية خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول (وهو موعد توزيع العوائد) ليس من حقه أن يحصل على نصيبه من ثروة الولاية.
أهالي ألاسكا مختلفون على الكيفية المناسبة لتوزيع ثروة ولايتهم الا أن القانون هو الفيصل. فمنهم من رأي أن يتم توزيع كامل المبلغ لمرة واحدة، ومنهم من يرى ضرورة أن يتم توزيع جزء محدد من قيمة الصندوق وفق مواعيد سنوية ثابثة، وآخرون يرون أن يتم أقتطاع جزء من قيمة الصندوق سنويا لتسيير شؤون الولاية عند الحاجة.
الى جانب الصندوق هذا، هناك ما يٌعرف باسم "احتياطي الميزانية" وهو عبارة عن مبلغ مستقطع من العوائد المالية للولاية يتم الاحتفاظ به للإنفاق على الحالات الطارئة. وفي خطوة ذكية من المشرع، ولكي لا يقع الاحتياطي في أيدي الفاسدين من السياسيين وغيرهم من اللصوص (وهم غالبا أحد امراض بيروقراطية الدولة - أي دولة) أقتضى دستور الولاية ان لا يتم أنفاق سنت واحد منه الا بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء المجلس التشريعي في الولاية في تصويت علني. الا ان لكل قاعدة محتالين ولهذا السبب أبتدع حاكم الولاية السابق ديف كونلي (جمهوري من مدينة انكوراج) طريقة تستدعي التصويت شبه السنوي حول إمكانية الإنفاق من احتياطي الولاية وربط ذلك بأعياد الميلاد من كل عام، معللا الأمر بان ذلك يضمن حق المعارضة في الحصول على هدايا العيد. وهكذا يتم الآن التعدي على الاحتياطي بشكل شبه مستمر، مما اوقعه في عجز مالي، الا انه ودائما ما يكون مجموع ما في الاحتياطي وصندوق الولاية فائضا، وليس عجزا ماليا ولم يسبق أن سجل أن حق أي مواطن من مواطني ألاسكا قد ضاع لهذا السبب أو غيره.
سجل العام 1982 تطورا مفاجئا، وهو محاولة السياسيين من الولاية أن يعدلوا القانون بما يسمح بالإنفاق من الصندوق الدائم لمواجهة تكاليف حكومة الولاية. وجرت حملات انتخابية دعائية قوية جدا لحث السكان على الموافقة، الا ان السكان صوتوا بأغلبية ساحقة على رفض الفكرة من أساسها، في مؤشر واضح على وعي الناس بان بيروقراطية الدولة الجهنمية لا يمكن ان تكتفي بأي مبلغ ويمكن أن تأكل الأخضر واليابس.
فكرة الصندوق تقوم على مبدأ أساسي وهو تحقيق العدالة وأقامة نظام ضمان اجتماعي فعال لا يخضع لقواعد البيروقراطية وشروطها المعروفة في هذا الصدد من قبيل الحد الأدنى للأجور والضرائب وغيرها. ومع أن العدالة لن تتحقق الا أن فعالية الأمر تكمن في أنه حقق المساواة في التوزيع وضمن توفير دخل معين لكل مواطن من مواطني الولاية بغض النظر عن جنسه أو لونه او انتمائه الحزبي. ولهذا السبب فان المواطن عمر كلنتون تحصل على نفس المبلغ مع ان أسمه عمر وأصله مسلم ولكنه من سكان ألاسكا.
وحرص المشرع على أن يكون للصندوق أهداف أخرى غير مباشرة منها تشجيع السكان على أن يكونوا مواطنين صالحين. فمثلا يٌحرم من صدر ضده حكم في جناية خلال السنة من الحصول على نصيبه في تلك السنة أكانت الجناية متعلقة بالسلوك العام أو اختراق القانون.
عدد سكان الولاية لهذا العام يقدر بأكثر من 670 ألف نسمة، وهذه معلومة متاحة أمام الناس أجمعين، وبالتالي يستطيع أي تلميذ في الابتدائية أن يحسب كم سيكون نصيبه من ثروة الولاية هذا العام.

د.مصطفى الفيتوري، رئيس قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في أكاديمية الدراسات العليا، طرابلس، الجماهيرية الليبية mustafafetouri@hotmail.com