توحش المجتمع الاميركي من الداخل

بقلم: محمد لافي الجبريني
المجتمع المتوحش لا يريد ان يرى صورته الحقيقية

لم أعتقد أني سأكون سعيدا بحالة الارق التي تراودني باستمرار الى درجة اعتبارها نعمة في ذلك المساء القلق الذي ذبحت فيه رئتي بتدخين علبتي سجائر قبالة النافذة على الشارع المعتم، حتى وجدتني أضغط بملل على الريموت كونترول أتجول بلا اهتمام على المحطات الفضائية التي بدأت تبث في تلك الساعات الميتة قبيل الفجر برامجها الارشيفية والمسجلة وتلك التي لا تلاءم مع فكرهم باستهداف الجمهور.
توقفت حركة البحث عند إحدى المحطات حين استوعبت خلايا دماغي الضجرة صورة الممثل الايطالي الاصل آل باتشينو، عدت على اثرها عدة محطات الى الخلف حتى وجدت مقدمة فيلم بموسيقى كلاسيكية حالمة ألهمتني الابقاء على المحطة، وأنا مقتنع اني سأغيرها بعد قليل وأنا في هذا المزاج الذي لا يسمح لي بمتابعة اي أمر او اسراف أواخر الليل في متابعة أحد الافلام الساذجة التي ربما لم يسعف الحظ آل باتشينو في تمثيلها.
***
مرت دقائق الفيلم الاولى وانا أؤجل اطفاء الجهاز حتى انتهى فيلم "أناس نعرفهم" للمخرج دانيال اولغرانت والذي شكل فعلا تحفة فنية أبدع فيها آل باتشينو وتمكن من فرض سيطرته على كامل مساحة الفيلم الذي سيطر فيه على البطولة المطلقة، ليس على طريقة نجوم الاكشن بل على طريقة الفنان المبدع الذي حاور دواخل الشخصية التي يؤديها الى درجة اقناعك بأن من تشاهده حاليا هو آل باتشينو نفسه وليس "إيلي ورمان" متعهد العلاقات العامة الذي ادى دوره، وفلسف قيمه، وطرح صراعاته الروحية بأجمل ما يكون.
تجري أحداث الفيلم على مدى أربع ساعة من حياة وكيل العلاقات العامة "إيلي ورمن" الذي ترك تخصصه الاكاديمي بعد أن تفوق فيه وحصل اجازة في المحاماة مقابل البحث عن المال والشهرة عبر استغلال قدراته في الاقناع للعمل وكيلا للعلاقات العامة في نيويورك لنجوم السينما والسياسيين وعمالقة الشركات، أنطلق فيها برفقة مخرج الفيلم اولغرانت في تعقب الانحطاط والفساد الذي تعيشه المجتمعات الرأسمالية والطبقات العليا فيها التي لا تتوانى عن استغلال أي فرصة لتحطيم الغير والصعود على جثته، فيما حياة البشر العاديين، او قليلي النفوذ من الطموحين غير ذات قيمة، ان تم اعطاءها الفرصة فلمصلحة عليا تهم النفوذ، وفي أول فرصة تسبب فيه تلك الشخوص عبئا على أسيادها يتم التخلص منها دون أن ترك اي أُثر في الحياة. تلك الحياة التي فيها القيم والمبادئ والاخلاق ليست سوى ألفاظ إستهلاكية، ووسائل دعائية، وقدرات على أقناع الجمهور لتلبية مصالح النخبة، في تضخمها وتصاعدها المستمر فوق جثث ومصالح الملايين من مواطنيهم الذي تاجروا بمصالحهم عبر خداعهم بأن سعيهم أخلاقي في محاربة الفساد او التسلط او العنصرية.
و"ايلي" بالضرورة لم يكن خارج تلك الدائرة، فهو وان لم يكن صاحب نفوذ وسلطة، فقد حاول مرارا دخول نادي النخبة ومارس نفس اساليبهم معتقدا انه سيصل يوما الى دائرتهم بعلاقاته الواسعة والمميزة وقدراته العقلية ليكتشف في النهاية انه ليس الا مطية لهم وخادما يؤدي لهم الخدمات مقابل فتات يبقيه على الحلم ويخدر صحوته، الى ان اكتشف نفسه خارج الدائرة لكن بعد فوات الاوان.
ينجرف ويلي الذي أرهقته طلبات المتعاقدين معه الى حياة صاخبة مرهقة أدمن فيها تعاطي الادوية المهدئة والمخدرات والكحول، أصيب جرائها بأمراض مختلفة في جسده تمثلت بإلتهابات أعضائه التناسلية ومعدته، تركت أثرا سلبيا على قدراته الجنسية التي فتحت امامه ثقبا في جدار التساؤل "الى اين يجر نفسه" في هذا التيار الذي لا تبدو له من نهاية سعيدة وقد أهدر عقودا من عمره في تملق "رجال السياسة الاوغاد والممثلين التافهين"، دون ان يصل في تساؤلاته الى اجابات محددة، وهو يقنع نفسه أنه سينجح يوما في اختراق الستار والوصول الى النخبة، رافضا رؤية الاحتمال الاكثر قربا من الواقع وهو ان هؤلاء المتصارعين على السلطة والنفوذ سيتفقون جميعا على ان لا يسمحوا له بدخول دائرتهم المغلقة.
يغرق "ايلي" أكثر وأكثر في اوهامه، وبتصاعد وتيرة القصة عبر حبكة درامية متقنة يعرضها المخرج بساعات ودقائق اليوم، يقرر ايلي استغلال حادثة قيام السلطات في نيويورك بالقبض على ثلاثة شباب نيجيريين وتحويلهم الى سلطات الهجرة لترحيلهم الى بلادهم، للدعاية الى حفل خيري يقيمه تحت عنوان مقاومة السلوك العنصري في أميركا والدفاع عن الاقليات العرقية، ليستغل فيه تقاطع مصالح مرشحين الى مجلس الشيوخ، وقادة منظمات للسود، ورجال دين يهود، وأصحاب مصالح اقتصادية في تبني مثل هذه القضايا، ليخرج منه بتبرعات طائلة يجني منها مكسبا يقوي من حظوظه المهنية للإرتقاء في المجتمع النيويوركي الشعبي والنخبوي على حد سواء.
في ذات الوقت يكون عليه تنفيذ مهمة لموكله "كاري لونر" (ريان اونيل) النجم السينمائي السابق والمنتج الهوليوودي والمرشح للقب سيناتور في مجلس الشيوخ الاميركي، تقضي بإخراج "جيلي هوبر" (تيا ليوني) الممثلة الشابة على سلم الشهرة من السجن بعد القاء القبض عليها بتهمة تعاطي المخدرات قبل أن تسبب له فضيحة بسبب ما تحمله من معلومات ستسبب ضررا له في حال تسربها. بعد ان يخرجها "ايلي" من السجن يتوجه رغما عنها معها الى احد الاوكار التي كانت تتعاطى فيها المخدرات ليغادروا المكان طردا من المكان. وفي الفندق الذي ستجلس فيه ريثما يأتي موعد طائرتها الخاصة لإبعادها عن المدينة يدور حوار فلسفي بين الاثنان تحت تأثير الافيون بعد فشل "ايلي" من القيام بإتصال جنسي معها تصفه بعدها بالخصي الذي ادمن خدمة الاوغاد الذين يصعدون على ظهره، وانها رغم كونها ساقطة وممثلة تستغل جسدها للصعود الى سلم المجد فإنها تملك ما يجعل "كاري لونر" يركع تحت قدميها. ينهض "ايلي" وقد انعكس هذا الوضع آلاما في مثانته الى الحمام ليتصل بصديقه الطبيب ليشكو له ما هو فيه، يستلقي في حوض الاستحمام ويراقب بعينين مخدرتين نصف مغمضتين شخصا يقتحم الغرفة ويقتل النجمة الشابة بإبرة تحمل جرعات زائدة من المخدرات.
يستيقظ "ايلي" في الصباح وهو يجهد نفسه في حشد رموز المجتمع الى حفله الخيري، فيواجه صعوبات ورفض وتهرب من قبل معظم الشخصيات، فزعيم السود في نيويورك يرفض خوفا من ان يقاسمه أحد زعامة قيادة السود، مدعيا ان هذا سيكون وسيلة يستغلها البيض لمصلحتهم السياسية وأن السود لهم طاقتهم الخاصة في انتزاع حقوقهم، اليهود كذلك يتذرعون بأن هذا سيزعج عمدة نيويورك الذي لبى لهم الكثير من مصالحهم وان المشاركة في هذا الحفل يجب أن تقترن بوعود خاصة يجلبها لهم ايلي من شخصيات محددة. وهكذا فإن كل شخصية تبتز ايلي للمشاركة في حفله، حتى يصل الامر الى "كاري لونر" فيتذكر ايلي ان بحوزته التسجيل الذي كانت تحتفظ فيه الممثلة الشابة قبل موتها، وبعد اجتماع في مكتبه يتعرض "ايلي" لضغوط من بعض السياسيين الذين كانوا اعداء لكاري يتفقون على ضرورة اعطائهم التسجيل يكون بينهم من يفاجئه وهو صديقه الطبيب الذي ينصحه بتسليم التسجيل حتى لا يعرض نفسه للخسارة، ايلي بدوره يقرر استغلال ما بحوزته ليهددهم به ما لم يحضروا الى حفله الخيري.
يقيم إيلاي حفلته الخيريّة بالرغم من كلّ شيء و يقابل حبيبته "فيكتوريا غراي" (كيم بايسنغر) أرملة شقيقه فيعدها بالهرب من نيويورك و اصطحابها معه. بعد أن مل هذه الحياة، بعد ان اكتشف أنه رغم حضور كل نادي النخبة الى حفلته الا انه خرج منه الخاسر الوحيد بعد استطاعوا تحويله الى مكسبهم الخاص وابعاد ايلي عن الامر.
ينتهي الفيلم نهاية درامية فاجعة لإيلي الذي يكون بانتظار موعده مع عشيقته للهرب يجلس يحتسي الخمر، وبحركة مفعمة بالايحاء تتحرك الكاميرا من بين قدمي ايلي حتى خاصرته التي امتلأت بطعنات سببها قلم حبر، ثم تصعد الى عينيه الميتتين وتنقلب ببطء على خلفية النافذة المشرفة على فضاء نيويورك لتركز بصورة مقلوبة على المكان الذي خلفه ورائه برجي التجارة المنهارين، بعد علمنا انه تم حذف المشهد الذي يتخيل فيه ايلي انهيار البرجين وهو يقتل على يد مجهول.
الفيلم دراما مهمة تسرد بتركيز شديد جانب من جوانب الحياة الاميركية وبصورة شديدة المرارة والاسقاط، لكنه للأسف لم يحظ بالكثير من الشهرة، رغم تلبيته لمعظم الشروط من قدرات ابداعية مذهلة للمخرج والبطل الاساسي وللحبكة القصصية. والامر ليس غريبا اذا تذكرنا ما هي الاعمال التي تحظى بالشهرة والتأييد في ذلك المجتمع المتوحش، والنخب المستفيدة. محمد لافي الجبريني