توترات تهدد النهضة مع عزم الغنوشي الترشح للرئاسة

القياديان عبداللطيف المكي وعبدالحميد الجلاصي يجاهران بأن مسألة ترشح الغنوشي لا يجب أن تعكس قرارا فرديا في إشارة إلى رئيس الحركة.


الغنوشي يقود حملة انتخابية سابقة لأوانها


مسألة ترشح الغنوشي لم تحسم بعد من قبل مؤسسات الحركة

دفع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة بصهره والقيادي في الحركة رفيق عبدالسلام إلى الترويج بأن ترشح "الشيخ" للانتخابات الرئاسية القادمة "غير مستبعد" بوصفه رئيسا للحركة فيما أخذت التوترات بين الأجنحة داخل التنظيم نسق تصاعديا.

ولئن لم تكن نوايا ترشح الغنوشي للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 ليست بالأمر الجديد إلا أن الترويج إليها من قبل أقرب المقربين إليه نقلتها من مستوى النوايا إلى مستوى العزم لتتحول إلى إحدى أهم النقاط الخلافية داخل النهضة.

وقال عبدالسلام الثلاثاء  في تصريحات لوسائل الإعلام إن ترشح الغنوشي "ليس مستبعد" لافتا إلى أن النهضة "قررت أن تدعم مرشحا للانتخابات الرئاسية من داخل الحركة أو من خارجها رغم أن الحديث عن الملف سابق لأوانه".

وشدد عبدالسلام على أنّ الحركة قررت تطوير عملها وصورتها السياسية والانفتاح على المشهد السياسي وعلى المجتمع وهو ما يعني أنها بدأت في التمهيد لترشح رئيسها.

وخلال الأشهر الماضية كثف الغنوشي من نشاطه سواء دخل البلاد من خلال اجتماعات بأنصاره أو اتصالاته بسفراء دول عربية وأجنبية والحضور في منابر الحوار الإعلامي أو من خلال زياراته إلى الخارج لعل أهمها زيارة بروكسيل بوابة الاتحاد الأوروبي.

وخلال الأسابيع الماضية بدى الغنوشي وكأنه يقود حملة انتخابية سابقة لأوانها والترويج لنفسه في صورة الشخصية السياسية المنفتحة والعصرية حتى أنه خلع الجبة التونسية ليحيط عنقه بربطة زرقاء أنيقة رأى فيها مراقبون رسالة مفادها أنه قرر تقمص شخصية طيب رجب أردوغان الرئيس التركي.

وفي 14 مايو/ايار الماضي قال الغنوشي في تصريحات صحفية "إن مسألة ترشحه لم تحسم بعد من قبل مؤسسات الحركة وفي مقدمتها مجلس الشورى والمكتب التنفيذي لافتا إلى "الأمر مرتبط بمصلحة الانتقال الديمقراطي وتقدير الأوضاع الداخلية والخارجية".

وفيما يدعم المكتب، الذي تتكون تركيبته من المتمسكين بقيادة الغنوشي للنهضة، الترشح ويرى أن الوقت قد حان لاستنساخ تجربة إخوان تركيا، تجاهر قيادات بارزة ومتنفذة برفضها لا فقط الترشح للانتخابات الرئاسية بل أيضا برئاسة الغنوشي للحركة.

وخلال الأيام الماضية خرجت القيادات المناهضة للغنوشي عن صمتها في ظل تمسكه بيوسف الشاهد رئيسا للحكومة لتقدم موقفا لا يخلو من الخلاف داعية إلى أن حل الأزمة السياسية لا يمكن أن يكون سوى عبر العودة إلى المفاوضات بشأن وثيقة قرطاج.

ومن أبرز تلك القيادات عبداللطيف المكي الذي يجاهر بطموحه لرئاسة النهضة وعبدالحميد الجلاصي الذي نافس الغنوشي منافسة لا تخلو من الشراسة على رئاسة الحركة خلال مؤتمرها العاشر الذي انعقد أيام 20 و21 و22 و23 من شهر مايو/ايارو 2016.

تحركات خارجية مريبة

وفي أعقاب المؤتمر الذي فرض فيه الغنوشي سطوته على رئاسة النهضة انتهجت القيادات المناهضة له سياسة تضييق الخناق عليه حتى أنه بات يترك فقد داخل المكتب التنفيذي.

ويقول الجلاصي إن "مسألة ترشح الغنوشي يمكن أن تطرح من جانبها القانوني وهو أمر مشروع بالنسبة للتنظيم" لافتا إلى أن هناك فرق بين الجانب القانوني والسياسي".

ويرى الجلاصي متحدثا لمراسل ميدل ايست أونلاين أن " المطروح على النهضة هو المزيد من الانفتاح على المشهد السياسي المتعدد فكريا وسياسية وتكريس الممارسة الديمقراطية داخلها وبين مؤسساتها بشأن القرارات المصيرية".

وبطريقة دبلوماسية شدد الجلاصي على أن "مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية يجب أن تتم بناء على المسوغات الديمقراطية لا أن تقود بالنهضة إلى الانفتاح على التوترات".

ومن جانبه يقود عبداللطيف المكي جهودا لبناء قوة تنظيمية وسياسية داخل الحركة في مسعى إلى خنق مساعي الغنوشي وتحرير القرار النهضوي من سطوة الغنوشي.

وفي ظل حالة الاهتزاز التي تشهدها النهضة بصفة عامة والغنوشي بصفة خاصة تكاد تكون مكاتب المقر المركزي خالية من القيادات بعد أن هجرها الكثيرون في نوع من الغضب الممزوج بالعصيان التنظيمي والسياسي والتحدي لرئيس الحركة.

ويرى مراقبون أن حالة التوتر التي تشهدها النهضة زجت بها في مستنقع طائفتين اثنتين، طائفة يقودها الغنوشي ممثلة أساسا في المكتب التنفيذي وأخرى تتزعمها قيادات من الجيل الثاني منها الجلاصي والمكي المدعومين من قبل غالبية مجلس الشورى.

ويجاهر كل من المكي والجلاصي بأن مسألة ترشح الغنوشي لا يجب أن تعكس قرارا فرديا، في إشارة إلى الغنوشي، وإنما يجب أن تحسم من قبل مجلس شورى الحركة.

ورغم الجهود التي يقودها الغنوشي لتسويق صورة جديدة على أنه فاعل قوي في المشهد السياسي وفي الحكم وفي الشأن العام لا يرى سوى 1.4 من التونسيين بأن الغنوشي قادر على قيادة البلاد وفق أحدث عملية سبر للآراء أجرتها مؤسسة "أمرود كوسيلتينغ".

ويبدو، كما يذهب إلى ذلك سياسيون، أن صورة الغنوشي تستبطن حالة من الغموض والضبابية في أذهان التونسيين نتيجة تقلبات مواقفه بحسب مزاجه العقائدي والسياسي.

هذه الصورة عبر عليها بكل وضوح حمة الهمامي الناطق باسم الجبهة الشعبية حين توجه إلى الغنوشي في تصريح لوسائل الإعلام قائلا "لا أنت بالسياسي ولا بالفقيه".

وفي ظل عدم التوصل إلى حل الأزمة السياسية نتيجة تمسك الغنوشي بالشاهد رئيسا للحكومة المرتقبة من جهة، وتمسك عدد القيادات برحيله من جهة أخرى، يتوقع مراقبون أن النهضة مرشحة إلى نوع من الانتفاضة الداخلية يقودها جيل جديد براغماتي متحرر من المرجعية العقائدية ومنتصرا للانفتاح الفكري والسياسي.

وترى أوساط سياسية أن حالة التذبذب في المواقف خاصة بشأن مدنية الدولة والشأن العام إضافة إلى النسق التصاعدي للتوترات من شأنه أن يفرض الحديث عن النهضة ما بعد الغنوشي ومدى تفاعل قيادات الجيل الجديد مع التحولات التي يشهدها المجتمع التونسي خاصة بشأن مدى استعدادهم لمد جسور تواصل جدية مع القوى العلمانية.