توبة القرضاوي عن التقريب بين المذاهب... لماذا!

أهواء السياسة تبعد وتقرب

مع اشتداد الصراع في سوریا والمنطقة عموما، أخذ هذا الصراع منحیاً طائفیاً خطیراً، بعد أن تجاوز حدود النزاع الكلامي والتحریض الطائفي إلی القتال الحقیقي في سوریا بین نظام، لا شأن له بالدين ویتمترس خلف الطائفیة الدینیة لیعوض نقصه الجماهیري بالطائفیة، بعد توریطه للطائفة العلویة وادعائه بأنه یمثلهم، وجر أکبر دولة دینیة شیعیة، أو انجذابها الذاتي، للتورط في سياسته، وإقناع الاخیرة لحزب الله بعبور حدود سوریا بدلا من إسرائیل هذه المرة والقتال إلی جانب الجیش النظامي.

لقد توج الشیخ یوسف القرضاوي هذا الصراع باخطر تصریح حین قال "وقفتُ ضد المشايخ الكبار في السعودية داعياً لنصرة حزب الله، لكن مشايخ السعودية كانوا أنضج مني وأبصر مني؛ لأنهم عرفوا هؤلاء على حقيقتهم.. هم كذبة"!

هذا، ولم یتأخر علماء السعودیة عن الاشادة بموقف القرضاوي ضد إيران وحزب الله، فقال مفتي المملكة العربية السعودية، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ شاكراً الأخير على "رجوعه إلى موقف كبار علماء المملكة، الذي كان واضحاً من هذا الحزب الطائفي المقيت [حزب الله] منذ تأسيسه".

ما استوقفني هو تأکید المفتي علی أن موقف القرضاوي "يُذكّر بمواقف كبار العلماء عبر التاريخ في رجوعهم إلى الحق متى ما استبانوا الموقف الرشَد". هنا یتحدث المفتي السلفي بیقینیة الفرقة الناجیة، التي تعني کل من ینتمي إلی السلفیة في مختلف تمثلاتها في الماضي والحاضر، والتي کانت تمثل أقلیة صغیرة داخل الجسم السُّني، لکنها أقلیة شرسة تدعي منتهی الطهرانیة، وتحتکر کل الحقیقة، بل تنظر إلی الأکثریة السُّنیة بنظرة مریبة، تصل أحیانا إلی إخراجهم من دائرة أهل السُّنة والجماعة، وأحیانا تمتد إلی حد التکفیر.

لذلك لا یرضی علماء السلفیة على علماء السنة، من الأشاعرة والصوفیة وهم الأكثریة الساحقة، الا بالتوبة من عقائدهم، المنحرفة والشرکیات والبدع، حسب التعبیرات السلفیة الدارجة، ولایخفی احتفاء السلفیة بکل تلاوینها بتوبة مزعومة لأبي حسن الأشعري وترویجهم لکتاب الإبانة عن أُصول الدیانة، ولا أدري لماذا بمجرد تصفح کتاب الإبانة للأشعري تتولد عندك الشکوك حول هویة الکاتب الحقیقي لکتاب الإبانة.

اذ لیس من المعقول أن یصاحب الأشعري أستاذه المعتزلي أبا علي الجبائي لأربعین عامأ، بکل ما تحتوي المعتزلة من العقلانیة والاعتدال والهدوء، ثم یتحول التلميذ بین لیلة وضحاها إلی شخص یکفر الآخرین لتوقفهم في القول إن القرآن مخلوق أو غیر مخلوق، کما هو مسطر في کتاب الإبانة المزعوم! وقد اعتبرت الأشاعرة أن النسخة الرائجة من الكتاب غير صحيحة، لأنها تحوي على كثير من الدس.

فالسلفیة لا ترضی عن تقسیم الأشاعرة حیاة الإمام أبي الحسن الأشعري إلی مرحلتین: المعتزلي ومن ثم صاحب أکبر مذهب عقائدي و إمام السنة علی طریقة المتکلمین، والجمع بین عقلانیة المعتزلة ونصوصیة السلفیة! لکن السلفیة تعتقد بوجود مڕحلة ثالثة تحول فیها الأشعري إلی السلفیة؛ فبدون المرحلة الثالثة لایعد للأشعري، بتحوله عن المعتزلة، شئاً يُذكر. فحال الأشعریة والماتریدیة لیستا بأفضل من المعتزلة في أدبیات السلفیة الطافحة بالتشریك والتفسیق والتبدیع! ومن الغریب أن يوافق الأشاعرة في ذلك ابن تيمية، فالأخير يقول: إن الأشعري لم يعرف غير طريقة المتكلمين.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا یتراجع القرضاوي ویتوب عن جهوده التي بذلها من أجل التقریب بین المذهبین الشیعي و السني؟! وهل یمکن أن یتوب الإنسان عن صالحات من الأعمال، أو یتوب عن الفعل الحسن؟! هل یقع اللوم علی القرضاوي فقط في وصول العلاقة بین الطرفین (الشيعي والسني) إلی نقطة اللاعودة؟

ما هو نصیب الطرف الشیعي من دفع الأمور إلی هذا التأزم الکارثي؟! الحقیقة نجحت الثیوقراطیة الایرانیة في تأزیم الوضع طائفیاً في المنطقة، فهذه الحکومة الدینیة تصرف جهوداً جبارة لإحیاء أحقاد الماضي في المجتمعات الشیعیة من خلال المبالغة في الطقوس الدینیة الحزینة وتوظیفها سیاسیاً، واسقاط هذه الثارات علی الحاضر، وتوجیه أصابع الاتهام إلی السنة ضمنا أو صراحة بأنهم قتلة الحسین؛ وإلی آخر الممارسات.

الغریب أن الحکومة الدینیة الایرانیة تقیم سنویا عشرات المٶتمرات عن الوحدة الاسلامیة؛ ولکنها تعرض کتب التي تثیر الحساسیة المذهبیة داخل وخارج قاعات المٶتمر من نوع: ثم اهتدیت، لأکون مع الصادقین، وغیرها من الکتب التي تتلخص قصصها في شخص سني تحول إلی شیعي بعد استعراض الادلة! ومن الجانب الأخر تقوم الثیوقراطیة الإیرانیة بالتبشیر بالتشیع داخل مجتمعات سنیة؛ مما یثیر حفیظة أفراد وجماعات ومٶسسات الدینیة، حتی أکثرها اعتدالاً وتسامحاً، کما لاحظنا ذلك من موقف شیخ الأزهر الدکتور أحمد الطیب، الذي هو مثال للاعتدال في الخطاب الدیني.

على الرغم من کل هذه الحقائق، ومهما حدث ماکان ینبغي ان یدفع الشیخ القرضاوي بالأمور إلی هذه النهایة؛ ویقطع الطریق علی کل تقارب بین المذهبین، فما أحزنني في خطاب تراجع القرضاوي هو رجوعه إلی کلام علماء وشیوخ السعودیة، لأن موقف رجال الدین السعودیین ثابت ولایتغیر ؛ونابع من الثوابت المذهبیة ولا تتغیر بتغیر الشیعة نحو الأحسن او الأسوأ، فهم ضد التعایش علی طول الخط، لأنهم اذا کانوا لا یرضون عن سنیة الأشعري وأبي حنیفة والطبري وابن الحجر العسقلاني، فکیف یرضون عن شخص یتبنی المذهب الشیعي؟!

إن رموز الإسلام السیاسي المذهبي، من الجانبین، یدفعان بالأمور إلی الکارثة الحقیقیة في العالم الإسلامي، لذا لابد من وضع حد لتفاقم هذه الفتنة، والتحاکم إلی حکم مدني دیمقراطي، لا یعترف إلا بقیم المواطنة، ویلجم الخطاب الدیني المتطرف الطائفي، لینقذ الناس من هذه الکوارث والسخافات الطائفیة.

محمد حریري

كاتب كردي عراقي

hariri66@yahoo.com