تهريب الوقود الجزائري يرفع أسعار الحمير في تونس

الجزائريون يشترون وقودهم في تونس بأسعار مضاعفة

تونس ـ تواجه الحكومة الجزائرية فشلا ذريعا في مساعيها لمنع تهريب المحروقات التي تتدفق بشكل عشوائي وبكميات هائلة إلى الأراضي التونسية. ولم يستطع القانون الجديد حول المراقبة الصارمة لمختلف محطات البنزين الذي أقرّته وزارة المحروقات الجزائرية منذ أكثر من شهر، وقف زحف المهربين التونسيين على الأراضي الجزائرية للتزود بالوقود وبيعه بأسعار مضاعفة على الطرقات التونسية، أو على الأقل تحجيمه.

ويقول مراقبون إن المهربين التونسيين يبتدعون دائما طرقا مضادة للقوانين تجعلهم يحافظون على سيطرتهم على سوق الوقود، في المحافظات التونسية الحدودية ويحققون مزيدا من الثراء الفاحش.

ويمكن لأي زائر للمدن التونسية الحدودية أن يلاحظ بقوة تواجد البنزين الجزائري على جوانب الطرقات. ولم يعد التونسيون وحتى التونسيات يجدون أي حرج في بيع المحروقات الجزائرية لعامة الناس على قارعة الطريق رغم أن ذلك يعتبر عملا مخالفا وفقا للقانون التونسي نفسه.

وتفاقمت ظاهرة تهريب المحروقات الجزائرية إلى تونس بشكل كبير منذ هروب الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي حيث صار التهريب في قلب تونس أمرا ضمن ما يُشبه وحدة أقامت لنفسها دولة وشعبا موازيا. وتوجد عائلات تونسية تقدّم نفسها بكل افتخار لعامة الناس على أنها مختصة في تجارة المحروقات.

ويتهم المواطنون الجزائريون المسافرون للسياحة في تونس محطات البنزين في المدن الجزائرية القريبة من الحدود التونسية بأنها قد اصبحت تمتنع منذ أشهر عن تزويدهم بالبنزين والمازوت أمام صمت السلطات المحلية الجزائرية "التي تعلم كما يعلم الجميع، بأن وقود المحطة، يُباع للتونسيين وللمهربين فقط، بينما يضطر أصحاب السيارات الجزائريين إلى التزوّد بالوقود داخل التراب التونسي في كثير من الأحيان عبر شراء الوقود الجزائري من الباعة الفوضويين هناك.

ويقيم الباعة الفوضويون في تونس أكشاكا فوضوية، إذ صارت تجارة المحروقات الجزائرية مصدر رزق الكثير من العائلات، بينما يبدو أن السلطات التونسية المختصة لم يعد يزعجها تواجد هؤلاء، في رحلة البحث عن السلم والأمان الاجتماعي، إضافة إلى أن ممارسة هذه التجارة لا يضر بالاقتصاد التونسي، بل ويفتح أبوابا للشغل ما زالت مستعصية على الحكومة التونسية الحالية. ففي مدينة نفزة التابعة لمحافظة باجة، يعيش غالبية السكان من المحروقات الجزائرية المهرّبة، إذ تباع على جنبات طرقاتها كل أنواع المحروقات بما فيها الزيوت الخاصة بالمحركات.

ويقول عادل وهو شاب في الواحدة والثلاثين من العمر، بأنه سعيدٌ بمهنته، وهو يتابع الصحافة الجزائرية، ويشعر بالخوف كلما علم بأن الجزائر أقرّت قوانين صارمة لمنع تهريب النفط إلى تونس، فقد كان بإمكانه دخول مدينة القالة الحدودية في الجزائر بمعدل خمس مرات في اليوم، وأحيانا أكثر، للتزوّد بالمازوت أو البنزين بأسعاره الجزائرية المتدنية والمدعّمة، ولكن القوانين الجديدة التي منعت دخول أي تونسي إلى الجزائر مرتين أو أكثر في اليوم أصبحت تحد من فرصه في الربح الوفير.

وقال وزير الداخلية والجماعات المحلية الجزائري دحو ولد قابلية في يوليو/تموز 2013 إن الجزائر تخسر ما نسبته 25 بالمائة من إنتاج الوقود سنويا بسب عمليات التهريب عبر الحدود.وتواجه السلطات الجزائرية صعوبة بالغة في مواجهة عمليات التهريب إلى تونس ووقف المشرفين عليها خاصة في المناطق الحدودية الجبلية إذ يعمد المهربون إلى استعمال حمير مدرّبة. ويبلغ سعر الحمار في قرى محافظتي باجة وجندوبة الحدوديتين 1000 دينار تونسي، أي ما يقارب الثمانية ملايين سنتيم بالعملة الجزائرية.

وماتزال تجارة الأحمرة متطورة على الحدود الجزائرية التونسية، وقادرة على منافسة السيارات التي يسهل الإيقاع بها وبأصحابها.

ولا يتأثر الحمار في الغالب بأي قرار ردعي من السلطات الجزائرية، إذ يرسله صاحبه المهرب التونسي ليدخل إلى الجزائر، فيستقبله "المزود" الجزائري، فيثقل ظهره بأربعة براميل كبيرة قبل أن يعود أدراجه عبر المسالك الوعرة إلى بيت صاحبه في مدينة من المدن الحدودية التونسية.وتبقى نسبة احتمال توقيف الحمار وحجزه ضئيلة، وحتى إن قبض على الحمار فهو مجرد حجز للنفط دون إيقاف للمهرب.

وكما أن المهرب في الجزائر لا يجد حرجا في تقديم نفسه باسم مهرّب محترف أو اختصاصي في التهريب، فإن التونسي يقدم نفسه بلقب مستورِد النفط الجزائري أو تاجر في النفط الجزائري.

وفي تونس أيضا يعيش بعض المهربين بهويتين، فهو في الجزائر تونسي وفي تونس جزائري كما يقوم بعض كبار المهربين بحذف هويات أبنائهم من سجلات الحالة المدنية اختياريا، ويغيّر آخرون أسماءهم وزمان ومكان ولادتهم، وغالبيتهم لا يمتلكون بطاقة هوية (اختاروا صفة البدون بشكل طوعي)، وهو ما جعل التعامل معهم مستحيلا ومن غير سند قانوني، لأنهم غير موجودين أصلا مدنيا، سواء في الجزائر أو في تونس.

وكما نزح الآلاف من الجزائريين على تبسة، نزح التونسيون بقوة إلى المناطق الحدودية الغربية في بلادهم، للاستقرار في "إمارة النفط".