تهجير النوبة.. وتهجير الدماغ

بقلم: محمد طعيمة

16 أسرة مُهجرة من قريتها في فرشوط، قسراً. حقيقة تواطأت على إخفائها مؤسسات الدولة، بما فيها الكنيسة، فكلها لم تعد تدرك معنى كارثة أن يُهجر مواطنون في "وطنهم".. قسراً.
لـ"التهجير" وقع مختلف في ذاكرتنا القومية. يجمع بين الفخر والتعاطف وتقديس "تضحية" أهلنا من النوبة مع السد العالي. ويجمع بين الألم وتقديس "تضحية" أهلنا من القناة.. مع غضب وطني مُحفز على إزالة أثار العدوان. الأول مع أعظم مشروع هندسي عرفه القرن العشرين.. والثاني مع ضربات "العدو". الأن لدينا "تهجير ذاتي" مُخجل. جزء منا يقتطع، بكراهية، حتة من لحمنا.. ويلفظها، مُتمنياً نفيها خارج حدود الوطن.. وذاكرته.
16 أسرة، تاريخياً ودستورياً، وقعت معنا على عقد إجتماعي لتأسيس "دولة" اسمها.. مصر. هم جزء من نسيج "مجموعة ناس" توافقت على أن "تعيش معاً" على قطعة أرض محددة المعالم، تخضع لذات القوانين "بلا تمييز"، وتتولى الدولة "تسييس" أمورهم وتحمي حقوقهم وتؤمن مستقبلهم، وفق قواعد ترسخت لكيانات استحقت وصف دولة، منها إحتكار تطبيق القانون وإستخدام العنف.
16 أسرة، ليس صدفة، إنتماؤها للمُكون المسيحي، لحقت بمهجرين أخرين، تناسينا الجريمة المستمرة في حقهم.. خمس أسر بهائية هجرهم، أيضاً قسراً، شركاء في الوطن من المراغة مارس الماضي، بعد تحريض علني من "ممثل" لصُناع الرأي العام، أفرزته انتخابات تعبر فعلاً عن "دماغ" قطاع من نخبتنا.. وعامتنا.
من عادات عامتنا إطلاق الزغاريد مع الفرح.. وأحياناً في وداع موتاهم، هذه المرة كانت الزغرودة شامتة.. في شهداء مسيحيين، قتلهم "بلطجي" مسلم.. هو نفس البلطجي الذي وظفه النظام في الإنتخابات الأخيرة، فاضحاً فكرته عن الدولة. زغرودة شامتة، توارثتها "المُزغردة"، صوتاً ودلالة، عن أمهات كن يطلقنها، حتى أكتوبر 1973، وداعاً لشهداء مسلمين ومسيحيين لم يلتفتوا أصلاُ إلى ديانة قائدهم.. فؤاد عزيز غالي. شُوهت زغرودة مصر.
التشويه أغرق منطقة واسعة، في ذات الأسبوع، من ماليزيا إلى الجزائر. في ذات الأسبوع كان الداعية السعودي سلمان العوده، المحسوب على الإخوان، عائداً من ماليزيا بغصة في حلقه، فمشروع مهاتير محمد، فخر المسلمين، تخللت ثوبه بقع سوداء. العوده، البعيد عن سلطان بلده، والمشغول "أولاً" بتفاوت الثروات والتنمية وتحسين وضعية المرأة والطفل.. قبل مظاهر التدين، لاحظ بدايات لتفشي الفساد وتراجع التنمية، لكنه لم يلتفت إلى أن البقع السوداء، بعد مهاتير، تزامنت مع توظيف مختلف للدين، بدأنا معه نسمع فتاوى تحريم اليوجا.. لأنها غريبة عن الإسلام، وتحريم الإختلاط.. مع تطبيق واسع للجلد، ومعركة عبثية حول إستخدام المسيحيين مفردة "الله" بدلاً من "god"، أسفرت عن إعتداءات طالت ثماني كنائس.
هي نفس تحولات ما بعد عبد الناصر. هي الدولة حين تفقد معناها، فتصمت عن اللعب في "دماغ" شعبها. قبل وبعد الثورة، كانت نفس بذور الفتنة.. من الخط الهمايوني إلى إتهامات التبشير.. وخناقات الجيران والتحرشات الجنسية، لكن أحداً لم يتوقف عند ديانة مرتكبها. كانت الدماغ "داخل" حدود الوطن المشترك.. ومشغولة، عفوياً، بتفعيل عقده الإجتماعي، والدولة "تربي وتوجه". بدأ التسوس مع إعلان السادات نفسه رئيساً لـ"دولة مسلمة"، في تلاعب سياسي بالدين طرح الأقباط جانباً. رحل السادات واستفحل التمييز مع نظام لا يُدرك معنى الدولة، لنرى قطاعات من الشعب.. لا جماعات متطرفة، مستعدة لذبح جزء من نسيجها.. مرة وأثنين وثلاثة.
والحل ليس كما قال سميح ساويرس، المعروف بتقييم عائلته السلبي للعهد الناصري، لصحيفة سويسرية نهاية فبراير الماضي، في "ديكتاتور مُستنير". فلم يملك ناصر ولا مهاتير عصا سحرية. هما، فقط، إمتلكا إرادة وهم وطنيين.. وأدركا معنى العقد الإجتماعي، فاجتهدا لترسيخ بُنى ودور الدولة، حسب ظرفيهما التاريخي. الآن، نفس البُنى تتفرج على مجتمعها يفقد مناعته.. وتتآكل مرجعيته الوطنية، حامية وحدته.. ووجوده، تماماً كما صمتت على تفسخ محيطها الحيوي.. فطالنا تفسخه.
قبل ثلاثة أشهر عزز أديبنا جمال الغيطاني إيماني بـ"العنقاء"، حين ذكرنا في لقاء تليفزيوني، بأن "أولادها" أكلوا لحم بعضهم البعض، فعلياً، قبل مشروع محمد علي بسنوات. لكنه كان الجوع.. لا "الدماغ"، التي شوهتها دوائر توظيف الدين، خارجية وداخلية، بعدما ترهلت كل أدوات الدولة وأولها قواها الناعمة.. مُشكلة العقول ومُحولة القلوب، "لتهُاجر" عقولنا وقلوبنا إلى خارج ذاكرتنا الوطنية.
دولتنا.. تتفكك.

* يا أهل مدينتنا
هذا قولي
انفجروا أو موتوا
رعب أكبر من هذا سوف يجئ
لن يُنجيكم أن تعتصموا منه
بأعلى جبل الصمت
(...)
لن يُنجيكم أن تضعوا أقنعة القردة
لن يُنجيكم أن تندمجوا أو تندغموا حتى تتكون من
أجسادكم المُرتعدة
كومة قاذورات
فانفجروا أو موتوا
انفجروا أو موتوا
(صلاح عبد الصبور) محمد طعيمة m.taima.64@gmail.com