تنظيم الدولة الإسلامية يستقطب 1200 طالب جامعي تونسي

تحول خطر في نشاط شبكات الجهاديين

أظهرت دراسة إحصائية حديثة أجراها الاتحاد العام لطلبة تونس أن تنظيم الدولة الإسلامية استقطب 1200 طالبا بعد أن تم تجنيدهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي من مختلف الجامعات التونسية. كما كشفت الدراسة عن أن 78 بالمئة من الطلبة الذين التحقوا بمقاتلي التنظيم في سوريا والعراق كانوا من "المتفوقين في اختصاصات علمية مثل الطب والهندسة وعلم الكيمياء.

وأكد لطفي فاضل عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس في مؤتمر صحفي الخميس 29 مايو 2015 إن "عدد الطلبة التونسيين الذين سافروا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيم الدولة يتراوح بين 800 و1200 طالبا 96 بالمئة منهم ذكور".

ولاحظ فاضل أن طلبة جامعات تونس العاصمة هم الأكثر استهدافا من قبل الجماعات الجهادية بنسبة 20 بالمئة تليها الجامعات في الجهات الداخلية المحرومة مثل القيروان والقصرين المحاذية لسلسلة جبال الشعانبي معقل كتيبة عقبة ين نافع التي تبنت العديد من الهجمات على الجنود.

وتؤشر هده الإحصائيات على أن الجماعات الجهادية اخترقت أسوار الجامعات وحتى أسوار المعاهد الثانوية لتركز على استقطاب الطلبة والتلاميذ المتفوقين في اختصاصات علمية مثل الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة الالكترونية وتجنيدهم في شبكات وخلايا تتولى بعد "إخضاعهم لعملية غسل دماغ"، تسفيرهم إلى سوريا والعراق عبر تركيا للقتال في صفوف الدولة الإسلامية، ليستفيد من مهاراتهم في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت وصناعة المتفجرات ومداواة الجرحى.

وكان كاتب عام جمعية "مراقب" التونسي حبيب الراشدي أكد في تصريحات سابقة أن حوالي 40 بالمئة من الذين يتم استقطابهم من قبل شبكات الجماعات الجهادية في تونس هم من الطلبة والتلاميذ المتفوقين، وتتراوح أعمارهم ما بين 17 و28 سنة ويدرسون الاختصاصات العلمية مثل الطب والهندسة الالكترونية والكيمياء والفيزياء.

وقال الراشدي إن تونس شهدت خلال الأشهر الماضية تحولا "نوعيا خطيرا" في خصوص شبكات الجهاديين"، مشددا على أن "أسوار الجامعات والمعاهد الثانوية اخترقها "إرهاب جديد" يجند يوميا حوالي 80 طالبا وتلميذا من المتفوقين في دراساتهم العلمية من أجل استغلال مهاراتهم ومعارفهم في هجمات نوعية.

وتتطابق نتائج الدراسة التي أجراها الاتحاد العام لطلبة تونس مع طبيعة عناصر الخلايا الجهادية التي فككتها الأجهزة الأمنية خلال الأشهر الأخيرة في الأحياء الشعبية المتاخمة للمدن وفي عدد من الجهات الداخلية خاصة منها الواقعة جنوب البلاد مثل قفصة والقصرين ومدنين وتطاوين المحاذية للحدود الشرقية مع الجارة ليبيا.

وقاد كشف الأجهزة الأمنية عن هويات عناصر تلك الخلايا أن الجماعات الجهادية باتتتركز على تجنيد الطلبة والتلاميذ المتفوقين في اختصاصات علمية بعينها مثل الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة الإعلامية والالكترونية ما بدا مؤشرا قويا على أن تونس "تشهد ظاهرة الإرهاب الجديد" الذي يسعى إلى الاستفادة من "المجندين" لا كمقاتلين وإنما كجهاديين "جدد" قادرين على توظيف معرفهم في التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعية واختراق بعض المواقع وصنع المتفجرات والأحزمة الناسفة.

وكانت الأجهزة الأمنية ألقت القبض في أكتوبر 2014 على طالبة بكلية الطب تدعى فاطمة الزواغي كانت تتولى الإشراف على الجناح الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة الذي يتزعمه سيف الله بن حسين الملقب بأبو عياض الذي يشرف حاليا على معسكرات تدريب في الصحراء الليبية.

وأكد حينها الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية محمد علي العروي أن "الزواغي هي طالبة متفوقة بكلية الطب بتونس العاصمة وتتواصل عبر الانترنت مع أبوعياض وتمكنت من استقطاب وانتداب العديد من الشباب ضمن تنظيم أنصار الشريعة المصنف تنظيما إرهابيا.

وشدد الراشدي بناء على دراسة أعدتها الجمعية على ان الإرهاب الجديد في تونس يعتمد على الطاقات العلمية "فهو إرهاب إلكتروني وطبي يعول على المتعلمين لأنه يحتاج إلى من يصنع قنابل يدوية وله مهارات في الكيمياء والفيزياء كما يحتاج إلى من يتواصل عبر الشبكات العنكبوتية والانترنت واختراق مواقع حكومية مستهدفة والى اختراعات الالكترونية كما هو في حاجة إلى إطارات طبية في الجبال لعلاج الجرحى وهو ما يعرف بالطب الميداني" مضيفا أن "الإرهاب في حاجة بالخصوص الى مهندسين ذلك ان جزءا من الإرهاب الحالي يعول على الطلبة المتميزين وخريجي الجامعات في استقطاب الشباب صلب الخلايا الإرهابية".

وخلال الهجمات الأخيرة وخاصة منها الهجوم على متحف باردو وسط تونس العاصمة الذي نفذته "كتيبة عقبة بن نافع" في 18 مارس 2015 استخدم الجهاديون قنابل "آ ر بي جي". وكشفت التحقيقات الأمنية أن العملية استغرقت حوالي 6 أشهر من الإعداد وشاكر فيها 30 جهاديا أغلبهم من الشباب المتعلم.

ويرجع الخبراء استهداف الجماعات الجهادية للطلبة من الشعب العلمية اللامعين أن تلك الجماعات تعتمد غسيل أدمغة خريجي الجامعات من الاختصاصات العلمية ذلك أن المنظومة التعليمية ترتكز على التلقين في الاختصاصات العلمية او الحفظ وهناك غياب شبه كامل للتكوين الفني والأدبي والفكر النقدي في هذه الاختصاصات وهو ما يجعل الطلبة فريسة سهلة للاستقطاب عبر شبكات الانترنت أو الجامعات من طرف الجماعات الجهادية.

ودعا الراشدي السلطات إلى سد هده "الثغرة" عبر إدراج التكوين في الفلسفة والفنون والمسرح وعلم الاجتماع وغيرها من المواد في الشعب العلمية حتى يتمكن خريجوها من امتلاك الفكر النقدي.

وإضافة إلى تجنيد الطلبة والتلاميذ تجد الجماعات الجهادية في "البطالة" و"الفقر" و"الإحباط" و"التهميش" أرضية خصبة لتجنيد المئات من الشباب في ظل غياب أي أفق مستقبلي إذ لم تباشر الدولة خلال السنوات الأربع الماضية أية خطة اجتماعية لتشغيل الشباب بما في ذلك حملة الشهادات الجامعية العليا حتى أنهم اضطروا إلى امتهان مهن لا تناسب مستواهم العلمي مثل بيع الخضار وحراسة قصور الأثرياء والمؤسسات الصناعية الخاصة وأيضا العمل في حظائر البناء بأجر لا يتعدى 10 دنانير يوميا أي حوالي 7 دولارات.

وأظهرت دراسة أعدها مرصد الشباب خلال عام 2014 أن 93 بالمئة من الشباب التونسي يشعر بأن "الثورة عمقت تهميشه اجتماعيا وسياسيا"، فيما قال 87 بالمئة إن "الثورة خيبت آماله" لأنها "لم تنجح في تشغيل العاطلين ولا في تحسين أوضاع العاملين".

وتوصلت الدراسة إلى أن 94 بالمئة من الشباب يرى أن الأطر الاجتماعية والمدنية والسياسية لا تولي اهتماما لمشاكل الشباب ما يعني أن المؤسسات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية لا تمتلك البرامج ولا الآليات الكفيلة بتأطير الشباب ورعايته ومن ثمة حمايته من مختلف أشكال التهميش، الأمر الذي يجعل من الشباب "فريسة" جاهزة "للقنص" من قبل شبكات جهادية ما انفك يتزايد خطرها.

وعادة ما تتخذ الجماعات المتشددة من الأحياء الشعبية والجهات المحرومة أعشاشا للتفريخ إذ تناسلت تلك الجماعات في حي التضامن مثلا ليتحول إلى معقل من معاقلها الآمنة ومنطقة مغلقة تنخر أمن سكانه متسلحة بعشرات الخلايا المرتبطة بالجماعات الجهادية في الخارج.

وفي غياب إحصائيات دقيقة يقدر الخبراء عدد الخلايا الجهادية بأكثر من 160 خلية منتشرة في أنحاء البلاد تضم كل خلية ما بين 3 و7 أشخاص وتكونت بعد أن استقطبت شباب ينحدر من فئات اجتماعية مهمشة وهشة وأمية.

وتقر السلطات الأمنية التونسية أنها منعت خلال عام 2014 وبداية 2015 أكثر من 12000 شاب وفتاة من السفر إلى سوريا والالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية بعضهم تم اعتقاله وبعضه تحت المراقبة، ويعد الرقم مؤشرا قويا على مدى قابلية الشاب التونسي لأن يكون "جهاديا" محتملا.

وتتصدر تونس اليوم قائمة البلدان المصدرة للجهاديين حيث يبلغ عدد التونسيين المقاتلين في صفوف تنظيم الدولة ما بين 3000 و5000 شخص يتولى العشرات منهم مراكز قيادية.

وتساور التونسيين اليوم مخاوف جدية من "تغلغل الجهاديين الجدد" في صفوف الطلبة والتلاميذ لذلك تطالب الأحزاب السياسية والخبراء بضرورة وضع خطة إستراتيجية أمنية وعسكرية وأيضا اجتماعية وثقافية ودينية لمكافحة الإرهاب مكافحة شاملة لا تقتصر على الجوانب الأمنية.

ويتوقع الخبراء أن تواجه تونس خلال الفترة القادمة "جيل جديد من الجهاديين" لا يجيد فقط أشرس أنواع القتال وإنما يمتلك أيضا المعرفة بصناعة القنابل والمتفجرات والأحزمة الناسفة". ويشدد المراقبون على ضرورة "تطوير الجيش والأجهزة الأمنية للجهوزية التقليدية التي لم تعد تجد نفعا أمام "عزم الجماعات الجهادية على الزج بالبلاد في حرب عصابات وشوارع سيستخدم خلالها الجهاديون الجدد عمليات خطيرة بما فيها السيارات المفخخة".