تناوب الحضارات وتبادل الشعلة

بقلم: د. فتحي الشهيبي
الفكر وحرية الارادة

تحدثت في مقالة سابقة تحمل عنوان "من الحضارة العرقية إلى الحضارة الإنسانية" http://www.middle-east-online.com/?id=134596عن دور الحضارة العربية الإسلامية في خلق الحضارة الغربية، وأود في هذه المقالة أن أسلط الضوء على جانب آخر مهم ألا وهو دور الحضارة العىربية الاسلامية في تكوين حركة التنوير في الغرب وبالتالي الحضارة الغربية.

السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان هو هل كان في الإسلام حركة تنوير؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فالسؤال إذاً يبقى ماذا حصل لتلك الحركات التنويرية؟ ولماذا لم تكن لها تأثيرات عميقة في الفكر العربي الاسلامي سواء في الماضي أو الحاضر؟

للإجابة على هذه التساؤلات لا بد أن نبدأ بالرجوع إلى التاريخ الإسلامي وتحديداً إلى الحقبة ما بين القرن الثامن والقرن العاشر للميلاد. في هذه الفترة برزت مجموعة من الفقهاء والعلماء سميت بالمعتزلة ولهذه التسمية قصة مرتبطة بمنشئ هذه الحركة العقلانية والتنويرية والذي كان يدعى واصل بن عطاء وهو أحد تلاميذ العلامة المشهور الحسن البصري .

يقال أن ابن عطاء ومجموعة من المفكرين كانوا يوماً في أحد المساجد يتناقشون في علاقة العقل بالإيمان وهل الإنسان مخير أم مسير. لما احتد النقاش والذي كان فيه ابن عطاء من أنصار العقلانية وحرية الانسان في الإختيار قام ابن عطاء من مكانه واعتزل في جانب من جوانب المسجد مع مناصريه، ومن هنا قيل أن ابن عطاء اعتزل، ومن ثم سميت المدرسة التي انشأها بالمعتزلة. هذه المدرسة الفكرية والتي قامت على حرية الإختيار والفكر وتحكيم العقل ليس في المسائل الدنيوية فحسب بل كذلك في المسائل الدينية لم يكن لها تأثير في الفكر الفلسفي لفلاسفة وعلماء مسلمين من أمثال ابن رشد والفارابي وابن سينا وأبو بكر محمد بن طفيل وعالم الإجتماع ابن خلدون والذين كان لهم تأثير كبير على أقطاب حركة التنوير في الغرب من أمثال فولتير وجان جاك روسو وديفيد هيوم بل كان لها تأثير في رواد حركات الإصلاح والتنوير في العالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين من أمثال الشيخ علي عبد الرازق صاحب كتاب "الاسلام وأصول الحكم" وكذلك العالم والمفكر ورائد حركة الاصلاح والتنوير الشيخ محمد عبده صاحب كتابي "الاسلام دين العلم والمدنية" و"رسالة التوحيد".

إذاً إذا أردنا أن نصل إلى العلاقة بين الفكر الذي نادى بالعقلانية وحرية الارادة والذي ترعرع في زمن المعتزلة وحركة التنوير في الغرب لا بد أن يكون لنا دراية بالتسلسل الفكري والتاريخي لهذا الفكر. على الرغم من أن فكر المعتزلة نشأ وترعرع في عهد الخليفة العباسي المأمون إلى أنه اندثر في عهد خليفته الخليفة العباسي المتوكل والذي إنحاز إلى خصومهم من أعداء الفكر العقلاني ومن ثم ناصبهم ألعداء وشتت شملهم.

كون أن المعتزله بنوا فكرهم ودلائلهم على آيات قرآنية وعلى سير الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه الراشدين إلا أن هذا لم يسعفهم في محنتهم. بالإضافة إلى الدلائل المنتقاء من حياة الرسول والتي سيقت لإثبات فلسفتهم استعان المعتزلة بآيات قرآنية لنفس الغرض ومنها على سبيل المثال قوله تعالى في الآية رقم تسعة وعشرين من سورة الكهف "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" كدليل على أن حرية الفكر وحريات الارادة والإختيار هي من صلب الدين الاسلامي. بينما اعتقد الكثيرين أن الفكر العقلاني انتهى بنهاية مدرسة المعتزله وتشريد أقطابها إلى أنه عاد بعنفوان إلى الوجود في الفكر الفلسفي الاسلامي على أيدي رجالات الفلسفة والفكر من أمثال ابن رشد وابن خلدون، ومنهم وجد طريقه إلى مواطن الفكر في الأندلس ومنها إلى بلدان أوروبا حيث لعب دوراً مهماً في إنشاء وإذكاء حركة التنوير.

أنا بنفسي أتذكر أنني عندما كنت طالب دكتوراه في جامعة بوسطن في ولاية ماستشوسيت في الولايات المتحدة الأميركية كان من استاذتي أستاذ متخصص في الفكر الاسلامي اسمه هربرت ميسون والذي كان إعجابه وانبهاره بالفكر الاسلامي وخصوصاً فكر المعتزلة يفوق ذلك الآتي من كثير من مفكرينا وأساتذتنا في العالم العربي. أتذكر أنني عندما كنت التقي معه ويسوقنا الحديث إلى الارث الفلسفي الإسلامي ويصل بنا النقاش إلى فكر المعتزلة كان دائماً يقول لي أنه لو كانت الغلبة لفكر المعتزلة لرأينا تطورا ثقافيا غير مسبوق في العالمين العربي والإسلامي يفوق بكثير مما حصل في الغرب إبان حركات التنوير والعلمانية.

هنا أود أن أعطي بعض الأمثلة للفكر التنويري عند مفكري العرب والمسلمين وتأثير هذا الفكر على أهل الفكر والثقافة في الغرب.

في بادئ ذي بدء نجد أن ملحمة الشاعر الايطالي دانتي اليغييري التي سماها "الكوميديا الإلهية" والتي تعتبر من أهم وأبرز الملحمات الشعرية في الغرب مستوحاة من مصدرين إسلاميين وهما "رحلة ألإسراء والمعراج" لرسولنا الأعظم وكذلك "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري. عندما نأتي إلى تأثير فلاسفة العرب على الفكر التنويري الغربي نجد أن له جانبين. الجانب الأول أن فلاسفتنا من أمثال ابن رشد وابن سينا والكندي والفارابي كانوا في ترجماتهم وكتابتهم الجسر الذي أوصل الفكر الفلسفي اليوناني لفلاسفة من أمثال سقراط وأرسطو وإفلاطون إلى باقي أوروبا.

الجانب الثاني هو أنهم كانوا حلقة الوصل بين الفكر التنويري الاسلامي للمعتزلة وغيرهم وبين العالم الغربي. بينما كان لمؤلفات ابن رشد مثل "تلخيص وشرح كتاب ما بعد الطبيعة، الميتافيزياء" و"مقالة في العقل" تأثير كبير على نشوء الفكر العقلاني في الغرب كان لمؤلفات ابن سينا في الإلهيات والطبيعيات والمنطق والطب تأثيراً مماثلاً. عندما نأتي إلى تأثير مفكرين من أمثال ابوبكر ابن طفيل على النهج الفكري الغربي وخصوصاً النهج الأدبي فلذلك شيء خبرته بنفسي.

عندما كنت أحضر رسالة الماجستير في الأدب الأميركي في جامعة نورث إيسترن في ولاية ماستشوسيت كذلك في الولايات المتحدة الاميركية كان الأساتذة سواء أكانوا يدرسون الأدب الانجليزي أو الأميركي يبدؤون كلامهم عن الروايات بالتأكيد على أن أول رواية بمعناها الحديث كتبت في العالم اجمع كانت رواية "روبنسون كروزو" للمؤلف دانيل ديفو. أي نظرة عابرة إلى قصة "حي إبن يقضان" لابن طفيل ستؤكد أن ديفو اقتبس القصة بحذافيرها من رائعة ابن طفيل. قصة ابن طفيل تتحدث عن إنسان عاش حياته في كنف الطبيعة بدون أي صلة بعالم البشر ولكنه توصل إلى مغزى الحياة والوجود باعتماده على قدراته العقلانية والروحية. بالإضافة إلى هؤلاء الفلاسفة نجد أن لابن خلدون تأثيرا مماثلا على تطور الفكر العقلاني والتنويري في الغرب. إنجاز ابن خلدون جاء في مقدمته أو ما يسمى مقدمة للتاريخ حيث توصل بقدراته العقلانية إلى بث الروح في التاريخ بحيث أصبحت القراءة الممعنة للتاريخ تمكننا من فهم ماضينا وحاضرنا وحتى التنبؤ بمستقبلنا.

كما ذكرت في السابق فإني أرى أن في نجاح الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا على الظلم والطغيان فرصة لا تعوض لإرساء حركات تنويرية تخرج شعوب هذه البلدان مما هي فيه من جمود فكري بحيث أصبحت لا ترى إلا ما يراه لها الآخرون والذي يؤدي بالطبع إلى التبعية الفكرية والثقافية والعلمية.

على رواد هذه الثورات ألا ينسوا أنه بالأخذ بالأفكار والثقافات الغربية والتي تناسب بيئاتهم الدينية والإجتماعية والثقافية لن يكونوا من المقلدين بل يكونوا بالاحرى قد استعادوا جزءًا مهماً من تراثهم العربي الإسلامي لأعلام تنويريين من أمثال ابن رشد وابن طفيل وابن سينا.

د. فتحي الشهيبي ـ كلية إيمانويل بوسطن، ماستشوست (الولايات المتحدة الأميركية)