تناقض.. نظريات تنامي الجهادية

أفكار ونظريات لكشف غموض الجماعات السرية

الحلقة الأخيرة من «حديث العرب»، الذي يقدمه سليمان الهتلان على «سكاي نيوز عربية» أثارت كثيراً من الأسئلة؛ لأن الضيف وهي داليا يزبك باحثة جزائرية متخصصة في التطرف والإرهاب، قدمت ضمن حديثها تفسيراً لأسباب انضمام الإناث العربيات والأجنبيات إلى «داعش»، وكانت قد شهدت في مراهقتها ما مرت به الجزائر في عشرية التسعينيات الكئيبة. المسألة المهمة في الحلقة هي أنها أكدت أكثر من مرة أن أيديولوجيا «داعش» هي «سلفية جهادية»، ولكن الباحثة نفسها، تؤكد أن الحكومة الجزائرية وأجهزة أمنها دعمت السلفية التقليدية التي من أسس عقيدتها البعد عن السياسة.

وترى يزبك أن السلفية الخاملة مثلت بديلاً عن «السلفية الجهادية»، وهي ترى أنها نجحت إلى حدٍ كبيرٍ في الوقت نفسه.

ذهبت يزبك إلى أن العامل الديني ضعيف في فكر هذه الجماعات، وفي تحول الأفراد من أشخاص عاديين إلى فاعلين نشطين، مستشهدة بأن أعداداً ممن تحولوا إلى قتلة في المنظمات الإرهابية لم يكونوا يعرفون القرآن الكريم ولا يلتزمون الشريعة، مقدمة أسباباً اجتماعية واقتصادية وراء انضمامهم إلى «داعش» و«القاعدة».

من المسائل التي ناقشتها الباحثة هي كيف يمكن للعمليات الإرهابية في أوروبا وأميركا أن تغذي العداء للإسلام، وفي الآن نفسه كيف تغدو هذه الكراهية ضد المسلمين عاملاً رئيساً في التهميش الذي يهيئ البيئة الخصبة للإرهابيين.

تكاد تكون هذه المسائل التي طرحها مقدم البرنامج على ضيفته هي أهم الإشكاليات التي يجري نقاشها الآن من قبل الخبراء ومراكز التفكير وتشغل بال المؤسسات الأمنية والسياسيين حول العالم، ولكنها أيضاً مثال لما يمكن للخبراء أن يقعوا فيه من تعميم ويقين يجد نقيضه في مضمون تفاصيل هذه التعميمات.

يمكن للباحثين أن يمسكوا كل يوم بخيوط نسج قصة التحول، من المحافظة إلى التشدد إلى طور التطرف ثم إلى خانة التطرف العنيف والإرهاب، بالإمكان تلمسها في مجتمعات وثقافات متعددة حول العالم، ورصدها في مجتمعات تعيش ظروفاً متفاوتة، في المالديف حيث الجنوح عند شباب المسلمين نحو تطبيق الشريعة وإقامة الحدود، وفي إندونيسيا حيث تترعرع هذه الميول وتتكرر كل فترة، مع مزاج شعبي نحو تطبيق أكثر لأحكام الشريعة، وشمال ماليزيا، حيث المحافظة في ولايات الشمال، وفي بروناي بعد القوانين الجديدة. وما شهدته تركيا في اليومين الماضيين بعد أن هاجمت الشرطة ومعها ناشطون متشددون بالهراوات والقنابل شباباً تجمعوا في الليل بعد الإفطار، ولكنهم كانوا يحملون زجاجات البيرة. والاستبيان الذي أجرته مؤسسة بحثية على مسلمين ألمان من أصول تركية أبدى 32% منهم حنيناً إلى تطبيق الشريعة كما في القرن الأول.

هذه الوقائع التي تضخها وسائل الإعلام كل يوم، وهي محل اهتمام الخبراء والباحثين تقوم بوظيفة متناقضة من الدعم والهدم والتشكيك بالفرضيات والنظريات التي يتبناها الخبراء، وتبنى عليها التوصيات وتنتج عنها السياسات والخطط الحكومية، أي إن تكاثر الأمثلة والوقائع التي تقع خارج إطار التفاسير الشائعة هي أكثر ما يقلق. لأن في الوصول إلى تفسير متماسك وواضح غير غامض سيساعد الحكومات وصناع السياسات على وضع البرامج المناسبة والخطط التي يمكنها أن تساعد في بناء المجتمعات وتماسكها وصلابتها. ومن دون هذا فإن البهجة التي وجدناها من قبل مفكرين وباحثين في عام 2011 النابعة من القناعة بأن «القاعدة» وجماعات الدين السياسي قد انتهت إثر «الربيع العربي» يمكن أن تتكرر.

منصور النّقيدان

كاتب سعودي