'تمرّد' تقود المعارضة المصرية

"لو لم تكن هناك قوى مدنية حية، لتمكنت جماعة الإخوان المسلمين من السيطرة على مؤسسات الدولة بسهولة". هذه العبارة التي قالها لي قيادي سلفي ذات يوم ظلت تتردد على مسامعي كلما رأيت أحزاب المعارضة متمثلة في جبهة الإنقاذ تحرص على التعاون والتنسيق المشترك، وكلما شاهدت حركات شبابية تجتهد في ابتكار وسائل جديدة لهز أركان حكم الإخوان، بعد ارتكابهم أخطاء بالجملة في إدارة البلاد، أدت إلى مزيد من المشكلات، بما أوجد حالة من الاستنفار ضد تصرفات الجماعة، التي ترمي للاسراع بعملية التمكين ونشر كوادرها في جميع الهيئات والوزارات، في تحد سافر لكل القوانين والأعراف والتقاليد التي تمنع تولي المناصب على أسس أيديولوجية، ولأن رئيس الجمهورية لم يستنكر هذه الإجراءات، بل عمل على دعمها ووفر لها غطاء سياسيا لافتا، كان من الطبيعي أن تلملم القوى الثورية أشلاءها وتلتف حول طريقة لسحب الثقة من الرئيس والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة.

"تمرّد" هي كلمة السر التي دفعت قوى ثورية كثيرة للتجمع مرة أخرى حول هدف سياسي واحد، بعد أن ضربت الإنشقاقات صفوفها، إما بسبب الإغراءات السياسية والمادية التي قدمت لعدد من قياداتها، أو بسبب الإحباط الذي ضرب مجموعة كبيرة من كوادرها، شعرت أن الثورة سرقت منهم في غفلة، جراء الخلافات التي نشبت في صفوفهم، ونجاح الإخوان في الاستفادة من ضعف أحزاب المعارضة، وقد أبهرت حملة "تمرّد" كثيرا من المراقبين، ليس لأنها أعادت ضخ الدماء في عروق الشباب الذين فجروا ثورة يناير فقط، لكن لأنها استطاعت أن تجمع في غضون أيام قليلة نحو ثلاثة ملايين توقيع لسحب الثقة من الرئيس محمد مرسي، يمكن أن تتضاعف مرات عدة، عندما يصل قطار الحملة إلى محطته النهائية في 30 يونيو- حزيران المقبل، حيث من المتوقع أن تتجمع أعداد غفيرة من المواطنين للاعتصام أمام قصر الاتحادية، لاجبار الرئيس على الدعوة لانتخابات مبكرة.

الحاصل أن "تمرّد" حركت الكثير من المياه التي ركدت في بحر الحياة السياسية في مصر خلال الأسابيع الماضية، عقب إصرار الإخوان على المضي في طريق احكام السيطرة على المفاصل الرئيسية للدولة، وارتفاع درجة الارتباك في صفوف معظم أحزاب المعارضة، وفشلها في اجبار الإخوان على تغيير سياساتهم الإقصائية، وعدم القدرة على دفع الجماهير للتظاهر بكثافة وبصورة تؤكد أن جبهة الإنقاذ لديها من الأدوات والبدائل ما يجعلها رقما مهما في المعادلة السياسية، ناهيك عن فشل الرهان على نزول الجيش، بعد تصريحات الفريق أول عبدالفتاح السيسي التي أوضح فيها صعوبة اللجوء لهذا الخيار، ورميه للكرة في ملعب الجماهير، إذا أراد الشعب أجل إحداث أي تغيير، لذلك تبدو حملة التوقيعات على استمارة "تمرّد" مقدمة لحل كثير من الألغاز الغامضة.

فهي، تعيد الحياة للمظاهرات التي تكاد تكون اختفت من الشوارع والميادين الرئيسية خلال الفترة الماضية، وأصبحت (تقريبا) محصورة في الاعتصامات والمظاهرات الفئوية، الأمر الذي أعطى انطباعات ظاهرة تشي بأن المصريين استكانوا أو رضخوا لحكم الإخوان، بينما كانت الحوارات التي تعتمل في أوساط قطاعات كثيرة تشير إلى ارتفاع درجة الغليان، نتيجة تصورات وتصرفات خاطئة أقدمت عليها الحكومة، أكدت في محصلتها التصميم على الانفراد بالحكم وتهميش الفئات المختلفة من المصريين، بالتالي فالتوقيعات التي جرى جمعها حتى الآن، تسير عكس هذا الاتجاه، لأنها تعيد الاعتبار للشارع مرة أخرى، وهو ما جعل قيادات في الجماعة والمتحالفين معها في التيار الإسلامي تستنفر قواها المجتمعية للتقليل من حجم "تمرَد" ومواجهتها بحملة أطلقوا عليها "تجرّد" تهدف إلى جمع توقيعات لتجديد الثقة في الرئيس محمد مرسي، وقد عكست تصريحات القائمين على "تجرّد" مدى الخوف من اتساع نطاق "تمرّد"، خاصة أنها أعادت للأذهان الدور الذي قامت به كل من حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير في أواخر أيام مبارك، عندما جمعت كلاهما توقيعات لرفض التورث والدعوة لوضع دستور جديد.

من جهة ثانية، الروح التي بثها الشباب القائمون على حملة "تمرّد" أحرجت كثيرا من أحزاب المعارضة، وحضتهم على ضرورة الاقتراب من الشارع، وهي النقطة الجوهرية التي تتفوق فيها جماعة الإخوان على منافسيها، كما أثبت التوجه الذي يقوم به الشباب الآن أنهم يقودون المعارضة على الأرض بدلا من الأحزاب الرسمية، وكأن الثانية لم تتعلم من أخطاء الماضي وتستفيد من دروسه التي كبدتها خسائر فادحة، لأن تحركاتها لم تتغير ولا تزال نخبوية وتخاطب طبقة يصعب التعويل عليها في حساب التوازنات السياسية، لذلك تفشل دائما في أي اختبار يحتكم إلى الشارع، ورغم ما يبدو من تنسيق بين بعض الأحزاب وقوى وحركات شبابية لاستثمار "تمرّد"، غير أن الأخيرة قد تكون لها اليد الطولي في النهاية، فهي صاحبة الفكرة التي أكدت، أن الثورة مستمرة وأن فصلا جديدا من فصولها من المنتظر كتابته قريبا، وأن الإخوان أخفقوا في اختطافها، في ظل وجود قوى مدنية حية قادرة في أي لحظة على ضبط التوازن الذي اختلت عجلاته.

من جهة ثالثة، تنطوي "تمرّد" والفعاليات المصاحبة لها على اشارة مهمة، بدت في ثنايا كلام السيسي الذي أكد فيه أن التغيير يأتي من الشعب وليس عن طريق الجيش. ساعتها (ولا يزال) حدث انقسام في أوساط المصريين، فهناك من اعتبر السيسي يطمئن الإخوان، وهناك من فهمه على أنه رسالة للتحرك الشعبي وتهيئة الأجواء لتدخل الجيش بأقل تكلفة ممكنة. من هذه الزاوية تبدو "تمرّد" مطلوبة في هذه اللحظة، لأنها تصب في نطاق التحرك الشعبي، الذي يقلق الإخوان من اتساعه، وسط شيوع حالة من التذمر بسبب ازدياد المشكلات السياسية والأمنية وعدم القدرة على وقف التدهور الاقتصادي المتصاعد، وهو ما يفتح المجال أمام طريقين، أحدهما الفوضى والانفلات، والثاني تعرض الأمن القومي للتهديد، وهما الحالتان اللتان أكدت مصادر عسكرية كثيرة سيدفعان لتدخل الجيش مباشرة وبلا هوادة، لوقف التداعيات السلبية للأزمة السياسية المتفاقمة.

إذا كانت "تمرّد" أثارت مخاوف الإخوان وقضت مضاجع قيادات مكتب الإرشاد، وشحذت همم المعارضة التقليدية، فإن نجاحها سوف يتوقف على استكمال مشوارها لجمع 15 مليون توقيع خلال الفترة القادمة، وحشد جماهير غفيرة أمام قصر الاتحادية يوم 30 يونيو- حزيران المقبل، ساعتها سيتم الكلام عن أي مستقبل سياسي ينتظر الرئيس؟