تمجيد الشهادة تقليد لا يزال قائما في لبنان

بيروت
خصوصية لبنانية

تنتشر صور الشهداء في شوارع بيروت منها صور شهداء المقاومة ضد اسرائيل وصور ضحايا عمليات التفجير والاغتيالات بما يوحي بان تمجيد مفهوم الشهادة في لبنان لا يزال حيا عند مختلف الاطراف.
ويحتفل لبنان الثلاثاء بعيد الشهداء في ذكرى قيام الحكم العثماني في 6 ايار/مايو 1916 باعدام عدد من الوطنيين اللبنانيين شنقا في وسط بيروت.
وبعد مرور حوالي مئة عام لا يزال بذل الحياة في سبيل قضية ما، يعد تضحية نبيلة في لبنان الذي يواجه دورة عنف جديدة بعدما شهد سنوات من العنف ابرزها الحرب المدمرة التي عاشها بين عامي 1975 و1990.
ففي السنوات الثلاث الاخيرة شهد لبنان سلسلة تفجيرات واغتيالات استهدفت شخصيات سياسية وفكرية معادية للنظام السوري اضافة الى حرب مدمرة نشبت بين اسرائيل وحزب الله.
لكن الخلاف السياسي والايديولوجي بين المعارضة التي تساندها سوريا وايران والموالاة التي يدعمها الغرب وغالبية الدول العربية يتوقف عند حدود الشهادة: فالكل يسمي ضحاياه شهداء.
تزوجت غنى زلزلي من مقاتل في صفوف حزب الله قضى في الحرب مع اسرائيل. وتقول "في المفهوم الاسلامي تحتل الشهادة موقعا مميزا عند الله. الشهداء يصلون الى مرتبة اعلى".
وتقول اية من آيات القران الكريم "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون".
ويدفن الشهيد بدون غسل جثته وفق الاجراءات التقليدية في الدين الاسلامي التي تقضي بتطهير الجثة قبل دفنها.
اختارت غنى زوجها وهي تعلم انه "مقاوم" اذ طلب منها قبل الزواج ان تعي فعليا كيفية حياة المقاوم المعرض دوما "للاصابة بجروح وحتى لفقدان النظر". فلقد وافقت غنى على الزواج بمصطفى لانها كانت تريد الارتباط بشخص "عنده شرف وكرامة وله هدف بالحياة وغير مستعد لان يكتفي بمراقبة ارضه محتلة".
توضح غنى ان مصطفى كان على استعداد للموت من اجل قضيته لكن الموت لم يكن هدفا بحد ذاته وتقول "الذي يسعى للموت لا يتعلم ويطور نفسه".
تشعر غنى بالفخر والاعتزاز عندما يصف الناس زوجها بانه "شهيد" وتفرح عندما تقع عيناها على صوره مرفوعة في الطرقات.
لكن لزوجات شهداء آخرين مواقف مختلفة.
فجيزيل خوري التي فقدت زوجها الصحافي والكاتب المعارض لسوريا سمير قصير في عملية تفجير لا تحب كلمة الشهادة "رغم ان مفهوم الكلمة مهم حتى في المسيحية".
وتقول "لا احب هذه الكلمة لانها صارت تستعمل في مواقع اؤمن بها واخرى لا اؤمن بها "مثل العمليات الاستشهادية ضد المدنيين".
تشدد جيزيل على ان زوجها قضى من اجل "الحق" وانه لم يستخدم العنف في حياته وهي تشعر بمشاعر متناقضة عندما ترى صوره مرفوعة في الطرقات.
وتروي كيف تطورت مشاعرها وتقول "في البداية كانت (صوره) شيئا مهما لكنها فقدت اهميتها مع الوقت ولم تعد تعنيني وهي تذكرني بالحرب الاهلية" التي قتل خلالها لبنانيون مواطنين لهم.
ويلفت الصحافي والمفكر نصري الصايغ الى ان شهداء طرف يعتبرون مجرمين بنظر الطرف الاخر خلال الحرب ف"البطل بنظر احدهم مجرم بنظر الاخر"، ويقول "لبنان ليس موحدا لا بتصوره الوطني ولا بتصوره السياسي".
وقد اعتمد كل حزب سياسي تاريخا محددا ليوم شهدائه.
ويبث تلفزيون المنار الناطق باسم حزب الله عادة رسائل وداع يكون الشهيد قد سجلها قبل قيامه بمهمته. وتواظب محطة تلفزيون المستقبل على بث مقاطع من خطابات رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري الذي قتل في عملية تفجير ضخمة في 14 شباط/فبراير عام 2005.
ويرى اللبناني نديم شحادة الخبير في شؤون الشرق الاوسط في مركز دراسات تابع للخارجية البريطانية ان "قضية الشهادة والموت اصبحت جزءا من الخلاف السياسي والايديولوجي في البلد".
ويشير شحادة الى "وجود مفهومين للبنان: من يريد ان يخرج البلد من العنف لتعيش الناس بحرية وراحة ومن يريده ملجأ محصنا وساحة للمقاومة ضد اميركا واسرائيل". ويقول "كل واحد يناضل لتحقيق مفهومه، هذه ازمة وجودية بشأن مستقبل لبنان".
ويرى بول طبر الاخصائي الاجتماعي في الجامعة اللبنانية الاميركية ان قضية الاستشهاد تحولت الى هدف بحد ذاته "الى شيء يوظف في السياسية المحلية .. الى سلاح لتهديد او تخويف من تختلف معه سياسيا".
وتعوض بعض الاحزاب ماديا على عائلات شهدائها وتتكفل بهم.
وتميز مؤسسة الشهيد التابعة لحزب الله بين "الشهيد المقاوم" الذي يعرف مخاطر المقاومة واختارها و"الشهيد المدني" الذي يلقى مصرعه عرضا من جراء انفجار او قذيفة او اطلاق نار.
بالمقابل ثمة من يرفض وصف فقيده بانه شهيد.
فقد انتقدت ليا شيخاني وعائلتها السياسيين الذين اطلقوا لقب شهيد على شقيقها شارل الذي قتل وهو في الثامنة والعشرين في عملية تفجير استهدفت احد نواب الاكثرية انطوان غانم.
وتقول ليا "لم نعتبره شهيدا. كان ضحية".
وتضيف "من يستشهد يبذل حياته لقضية. لم يكن لدى شارل مطلقا قضية يموت لاجلها. شارل كان يريد ان يعيش. كان في الخارج مقيما وعاد لان اهله واصحابه في لبنان".