تماثيل الأوبرا المصرية .. رموز لمشاهير في الفن والأدب

روعة المكان وجمال المبنى

عندما أعيد افتتاح دار الأوبرا المصرية "الجديدة" بشكل رسمي في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول عام 1998، استعانَت وزارة الثقافة في تزيين جدران وساحات الأوبرا بأعمال فنية راقية لكبار الفنانين التشكيليين، مثّلت هذه الأعمال منذ افتتاح الدار مجموعة مُقتنيات ثمينة مملوكة لدار الأوبرا، وكان الهدف من وراء ذلك ليس فقط التجميل للمبنى، بل القيمة والحفاظ عليها كأعمال للتاريخ، وعلى مر هذه السنوات زادَت هذه المقتنيات بتكليفات لبعض الفنانين لإضافة أعمال فنية جديدة.

احتلت دار الأوبرا المصرية مكانة مرموقة كواحدة من أهم المنشآت الثقافية، خاصة بعد تعظيم دورها الثقافي بتحويلها إلى هيئة ثقافية تعليمية باسم هيئة المركز الثقافي القومي، والتي يتبعها عِدة مُنشآت أخرى منها مسرح الجمهورية، ومعهد الموسيقى العربية الذي يضم أيضاً "متحف أم كلثوم" و"متحف الآلات الموسيقية" و"البيت الفني للموسيقى" و"الأوبرا"، وغيرها من المنشآت الثقافية والفنية.

والمكانة الأخرى التي احتلتها دار الأوبرا بسبب روعة المكان وجمال المبنى الذي احتل مكانه بقرب نهر النيل ووسط العاصمة، فأصبحت مزاراً للمثقفين الزائرين، وأول ما يلفت النظر في المكان هو الأعمال الفنية – خاصة النحتية – التي تزيّن خارج وداخل هذا الكيان المعماري الراقي.

• الفن الفرعوني

منذ اليوم الأول لافتتاح الأوبرا، ظهرت فكرة الاستعانة أو استخدام تمثالين أصليين في الفن المصري القديم "الفرعوني"، لوضعهما في الباكيتين الأماميتين على جانبي مدخل الأوبرا الرئيسي خارج المبنى في مواجهة البوابة الرئيسية، وهما تمثالان مُتشابهان "للآلهة سخمت"، وهما بلا جدال رمز من رموز الحضارة المصرية وعراقتها ومدى قدم الفن المصري، فقد تم وضع تمثالين أخريين في غاية الأهمية في ساحة الأوبرا، هما تمثالا "الرخاء" و"نهضة الفنون" للمثَّال المصري محمد حسن، وهو من الرعيل الأول للفن المصري المعاصر، والتمثالان كانا موضوعين في مدخل دار الأوبرا القديمة "الأوبرا الخديوية" التي احترقت عام 1971، وتم وضعهما كحلقة وصل بين الأوبرا القديمة والجديدة لتذكرنا بتاريخنا الثقافي في العصر الحديث، وأقام الفنان الرائد محمد حسن (1961-1892) هذين التمثالين عام 1948، وهما تمثالان يزيد حجم شخوصهما عن الحجم الطبيعي، أحدهما يُعبّر عن "الرخاء" والثاني عن "نهضة الفنون".

ويقول د. طارق علي حسن رئيس الأوبرا الأسبق: التماثيل المصرية القديمة تحفة فنية لا مثيل لها، تُدلّل على عبقرية الفن والحضارة المصرية، وسَبق الفنان المصري ورؤيته وقُدرته على الاكتشاف وخصوبة خياله، فتركيبة التمثال غير المألوفة لجسد امرأة ورأس لبؤة تركيبة سيريالية سابقة لزمانها، ولطالما تعلّمت أوروبا من فنون مصر القديمة، ولنا الحق أن نفتخر بها، أما تمثالا الفنان محمد حسن فهما علامة من علامات النحت المصري المعاصر من ناحية، ورمز لتاريخ الأوبرا المصرية منذ الأوبرا القديمة، لأن عمر الأوبرا في مصر يزيد على المائة عام، والتمثالان من روائع الفن المصري ولفنان رائد من الروَّاد المصريين الذين نعتز بهم.

ويشير د. طارق، إلى أنه بعد فترة من حياة الأوبرا وبالتحديد في أوائل التسعينيات، ظهرت فكرة مُلحة، وهي عمل تماثيل لروَّاد فن الموسيقى والفنون الأخرى لتزيّن مبنى الأوبرا من الداخل والخارج وتخليداً لهم، فقامَت وزارة الثقافة بتكليف عِدة فنانين نحَّاتين بعمل هذه التماثيل، بعضها تماثيل كبيرة الحجم لوضعها في حديقة الأوبرا للعرض المكشوف، والبعض الآخر "بورتريهات" للروَّاد وضعها في الأوبرا الداخلي، وممرات المسرح الكبير ومداخله، وهي تمثال لأم كلثوم (كوكب الشرق)، وهو على جانب الطريق من البوابة الرئيسية، قام بعمله الفنان الشاب هشام نوار، وهو يصوّرها واقفة مُتعملقة "أكبر من الحجم الطبيعي" وهي تمسك بمنديلها الشهير، وقد تغاضَى فيه عن نسب الجسم وأعطاها شكلاً هرمياً إلى حد ما.

ويقول التشكيلي والنحات هشام نوار: كنتُ أريد تصوير أم كلثوم كهرم رابع، مؤكداً على عبقريتها الغنائية غير المسبوقة، لذا فقد اخترتُ هذا الأسلوب في تنفيذ التمثال، أما التمثال الآخر فهو لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب للمثَّال عبدالعزيز صعب، وهو تمثال ضخم أكبر كثيراً من الحجم الطبيعي، ويوضع في مُقابله المتحف المصري الحديث ومدخل الأوبرا للمسرح الكبير، وهو أقرب للواقعية وبنسب مُتناسقة، ويظهر عبدالوهاب جالساً مُفكراً في وضع يبدو مألوفاً بالنسبة للموسيقار محمد عبدالوهاب.

ويتحدث الفنان هشام فيقول: أما التمثال الثالث فهو لأمير الشعراء أحمد شوقي، ووُضع أمام مبنى المجلس الأعلى للثقافة، أما المجموعة الصغيرة الداخلية فهي مجموعة "بورتريهات" شخصية لروَّاد الموسيقى والفكر والأدب والفنون من التاريخ المصري المعاصر، ومُعظمها في مداخل المسرح الكبير بالأوبرا، وهي لروَّاد أمثال سيد درويش ومحمد عبدالوهاب ونجيب محفوظ وغيرهم.

وهذه التماثيل نفّذت بتكليفات لفنانين مصريين مشهود لهم بالإبداع والجودة، وتم صبها في إيطاليا بناءً على موافقة وزير الثقافة، وهي لرموز خالدة وعبقريات مصرية لا تُنسى في تاريخنا المعاصر، ولنا الحق في الاعتزاز بها وتخليدها في حياتنا الثقافية.

وتقول نجوى سند مدير إدارة التجميل والحدائق بدار الأوبرا: هناك مجموعة من تماثيل مُقتنيات الأوبرا، عبارة عن أعمال فنية مُبدعة، وهي من وحي الموسيقى والباليه وفنون الأوبرا، أو هي أعمال فنية حازَت على جوائز في مُسابقات عامة نظّمتها وزارة الثقافة، مثل: صالون الشباب أو المعرض العام لفناني مصر وغيرها من المعارض، ومن الأعمال الحائزة على جائزة صالون الشباب تمثالان وُضعا بكافيتريا مسرح الهناجر، أحدهما لشخص من جذع شجرة شبه كامل، والآخر لشخص شبه مصلوب على قاعدة معدنية، وهو من المعدن الخردة، وهما كما نُلاحظ من الأعمال غير التقليدية، وتخرج عن المألوف في أسلوب التنفيذ، وفي الخامة المستخدمة الأول اتجه إلى استخدام خاصة من الطبيعة، والآخر استخدم مُخلفات الإنسان وعصر الصناعة، وكلاهما يُعبّر عن الإنسان والعصر.

إن هذه الأعمال الفنية المقتناة للأوبرا سواء التماثيل أو اللوحات هي مجموعة رائعة ومُتفردة، بدأت باقتناء جماعي من معرض أُقيم خصيصاً لهذا الغرض قبل افتتاح الأوبرا، وشكّلت لجنة للاقتناء من المعرض، وبعدها تزايدَت الأعمال عبر السنوات. (خدمة وكالة الصحافة العربية)