تلبيس إبليس.. على الناس المناحيس

صناعة الشر

من نافلة القول إن ابن الجوزي من المكثرين في التأليف فقد ألّف المطولات جداً وألّف الرسائل القصيرة وهو يميل في تأليفه بشكل عام إلى الوعظ وما يدور في فلكه، أما كتاب "تلبيس إبليس" فهو جامع مهم لمؤاخذات فقيه حنبلي في ذلك الوقت لمعاصريه ومن سبقهم.

لشيخنا العلامة أبي الفرج ابن الجوزي كتاب أسماه (تلبيس إبليس) وقد تميز هذا الكتاب بالنقد اللاذع لكثير من الظواهر الاجتماعية والدينية التي استجدت في القرن الخامس الهجري - الذي هو عصر المؤلف - وتمتد علاقتي بهذا الكتاب لأكثر من خمسة وثلاثين سنة وحقيقة ان هذا الكتاب هو اول كتاب تملكته لابن الجوزي والذي من خلاله تعرفت على عوالم ابن الجوزي ومسلكه في التأليف ومن نافلة القول ان ابن الجوزي من المكثرين في التأليف فقد ألف المطولات جدا وألف الرسائل القصيرة وهو يميل في تأليفه بشكل عام إلى الوعظ وما يدور في فلكه اما كتاب "تلبيس إبليس" فهو جامع مهم لمؤاخذات فقيه حنبلي في ذلك الوقت لمعاصريه ومن سبقهم بمديدة.

فابتعث الله سبحانه وتعالى محمدًا فرفع المقابح، وشرّع المصالح. فسار أصحابه معه في ضوء نوره، سالمين من العدو وغروره. فلما انسلخ نهار وجودهم، أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الأهواءُ تنشئ بدعًا، وتُضيقُ سبيلاً ما زال متسعًا، ففرق الأكثرون دينهم وكانوا شيعًا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرقُ ويؤلف وإنما يصحُّ له التلصصُ في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.

فرأيت أن أُحذِّر من مكايده، وأدل على مصايده، فإن في تعريف الشر تحذيرًا عن الوقوع فيه.

ثم تناول ابن الجوزي فرق الفلاسفة والفرق الكلامية وبين زيفهم وشططهم قبل ان يدخل في نقد الفرق التي أدركها المؤلف وهي فرق إسلامية غالبا وأنا هنا أورد المساجلة التي تمت بين حبر الأمة عبدالله بن عباس والخوارج كاملة كما أوردها ابن الجوزي في تلبيس إبليس وهي تمثل نموذجاً لتلبيسات إبليس على أصحاب الفرق.

عن سماك أبي زُميل، قال: قال عبدالله بن عباس: إنه لما اعتزلت الخوارج دخلوا دارًا وهم ستة آلاف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب، فكان لا يزالُ يجيء إنسان فيقول يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك، فيقول: دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون.

فلما كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظهر فقلت له: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلِّي أدخل على هؤلاء القوم فأُكلِّمهم، فقال: إني أخافُ عليك، فقلت: كلا وكنتُ رجلاً حسن الخلق لا أؤذي أحدًا، فأذن لي فلبستُ حُلَّةً من أحسن ما يكون من اليمن، وترجَّلتُ فدخلتُ عليهم نصف النهار، فدخلتُ على قومٍ لم أر قطُّ أشدَّ منهم اجتهادًا، جباهُهُمْ قرحةٌ من السُّجود وأياديهم كأنها ثفنُ الإبل، وعليهم قُمُصٌ مرحَّضةٌ مُشمِّرين. مسهمة وجوههم من السهر، فسلمتُ عليهم فقالوا: مرحبًا يا ابن عباس ما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهرِ رسول الله وعليهم نزل القرآنُ وهم أعلمُ بتأويله منكم.

فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشًا فإن الله عز وجل يقول: (بل هم قوم خصمون) [الزخرف:58]، فقال اثنان أو ثلاثة لنُكلمنَّهُ، فقلت: هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحدٌ، وهم أعلم بتأويله.

قالوا: ثلاثًا، قلت: هاتوا، قالوا: أما إحداهن فإنه حكَّم الرجال في أمر الله، وقد قال الله عز وجل: (إن الحكم إلا لله) [الأنعام: 57]، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟ فقلت: هذه واحدة وماذا؟ قالوا: وأما الثانية فإنه قاتل وقتل ولم يَسْبِ ولم يغنم فإن كانوا مؤمنين فلم حلَّ لنا قتالهم وقتلهم ولم يحل لنا سبيهم؟ قلت: وما الثالثة؟ قالوا: فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين. قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا.

قلت لهم: أما قولكم: حكَّم الرجال في أمر الله أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقضُ هذا، فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: فإن الله قد صيّر من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب وتلا هذه الآية: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) [المائدة: 95]، إلى آخر الآية، وفي المرأة وزوجها: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) [النساء: 35]، إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وفي حقن دمائهم أفضل أم حكمهم في أرنب وبُضع امرأة، فأيهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قلت: خرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.

قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم فتسبُون أُمَّكُم عائشة رضي الله تعالى عنها، فو الله لئن قلتم ليست بأُمِّنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم لنسبينّها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين لأن الله عز وجل قال: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [الأحزاب: 6]، أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.

قلت: وأما قولكم: محا عن نفسه أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون أن النبي يوم الحُديبية صالح المشركين أبا سفيان بن حربٍ وسهيل بن عمروٍ، فقال لعلي رضي الله عنه: اكتب لهم كتابًا فكتب لهم عليٌّ: هذا ما اصطلح عليه محمدُ رسولُ الله، فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسولُ الله، لو نعلمُ أنك رسولُ الله ما قاتلناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: « اللهم إنك تعلمُ أني رسولُ الله امحُ يا علي، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبدالله»، فوالله لرسولُ الله خير من علي وقد محا نفسه. قال: فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقُتلوا.

ترى ما الذي سيقوله ابن الجوزي لو أدرك عصرنا هذا وشهد حماقات القاعدة وشراسة داعش وانتهازية القاديانية وضلالهم.

ناصر الحزيمي

كاتب سعودي