'تلاعب استخباري' أميركي يفتعل أزمة بيونغ يانغ النووية

لا معلومات موثوقة حول احتمال تطوير سلاح نووي كوري

واشنطن - يتهم كتاب جديد يصدر هذا الاسبوع صقور ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش بالتسبب بازمة الملف النووي الكوري الشمالي من خلال التلاعب بمعلومات استخباراتية، الامر الذي يذكر بالجدل حول الحرب في العراق.
وذكر الصحافي السابق في شبكة "سي ان ان" مايك تشينوي في كتابه انه تم تسييس تقارير استخباراتية حول سعي كوريا الشمالية لامتلاك عناصر تستخدم في تخصيب اليورانيوم من اجل تصوير النظام الشيوعي على انه يدير منشأة نووية ناجزة قادرة على تطوير قنبلة نووية.
واصدر تشينوي الذي يعمل الان في مجلس المحيط الهادئ للسياسة الدولية الذي يتخذ من لوس انجليس مقرا له كتابه بعنوان "القصة الحقيقية لازمة الملف النووي الكوري الشمالي من الداخل" (ميلتداون: ذي اينسايد ستوري اوف ذي نورث كوريان نيوكليار كرايسيز) بعدما تمكن من الاطلاع بشكل غير مسبوق على معلومات وافية خلال 14 رحلة قام بها الى هذا البلد ومئتي مقابلة اجراها في واشنطن وسيول وطوكيو وعواصم اسيوية اخرى.
ويكشف الكتاب ان اجهزة الاستخبارات الاميركية رصدت في 2002 و2003 مساعي كورية شمالية للحصول على اجزاء يمكن استخدامها في عمليات تخصيب اليورانيوم غير ان الامر كان لا يزال في مرحلة السعي للحصول على المعدات.
وكتب الصحافي السابق انه لم يكن هناك معلومات استخباراتية جديرة بالثقة بان كوريا الشمالية لديها فعلا منشأة قادرة على انتاج قنابل نووية.
وتابع الكتاب ان هذا لم يمنع المحافظين المتطرفين الساعين لاسقاط "اتفاق اطار" حول الطاقة النووية ابرم مع كوريا الشمالية في عهد الرئيس بيل كلينتون، من اغتنام المسألة لاثارة مواجهة مع هذا البلد.
واوضح البيان ان مساعد وزير الخارجية آنذاك جيمس كيلي تلقى تعليمات بعدم التفاوض خلال رحلته الى بيونغ يانغ في تشرين الاول/اكتوبر 2002 بل بالاكتفاء بابلاغ الكوريين الشماليين بوجوب التخلي عن برنامجهم النووي قبل القيام باي خطوة اضافية.
كما قضت تعليماته بعدم مراعاة اللياقات الدبلوماسية السارية مثل اقامة مأدبة لمضيفيه الكوريين الشماليين او رفع نخب والقاء كلمة صغيرة خلال افطار يقيمه له الكوريون الشماليون لدى وصوله.
واذيع آنذاك ان الكوريين الشماليين اعترفوا لكيلي بامتلاكهم برنامجا لتخصيب اليورانيوم ما حمل الولايات المتحدة على اتخاذ سلسلة من الخطوات التي قادت الى تدهور العلاقات، وعلى الاثر استأنفت بيونغ يانغ برنامجها النووي واعلنت عام 2006 انها اجرت تجربة لقنبلة نووية.
غير ان تشينوي الذي قابل معظم افراد الوفد المرافق لكيلي اكد انه لم يجد اي ادلة على ان الكوريين الشماليين اقروا صراحة بامتلاكهم مثل هذا البرنامج.
وقال "من المثير للاهتمام ان تكون المحاضر بقيت طي الكتمان لكن يبدو ان مسؤولا كوريا شماليا استخدم لغة اكثر التباسا بكثير وقدم عرض تفاوض رفضه كيلي".
وتابع تشينوي "من الواضح ان ثمة نقاط تشابه ونقاط اختلاف مع الجدل الذي نتج عن التقارير الاستخباراتية في العراق، لكن خلافا للعراق، فان المعلومات الفعلية التي كانت بحوزة الاميركيين في كوريا الشمالية في ربيع وصيف 2002 كانت متينة".
وتابع "لكن مزيجا من السياسات الداخلية والتبسيط الاعلامي اثار انطباعا بانها مختلفة الى حد ما عن الواقع".
ووجد وزير الخارجية آنذاك كولين باول نفسه في صراع مع اجهزة الاستخبارات بشأن كوريا الشمالية، وهو الذي كان اكتشف انه استخدم معلومات استخباراتية اميركية مريبة بشأن اسلحة الدمار الشامل التي اتهم العراق بحيازتها واستخدمت حجة لاجتياحه عام 2003.
وقال باول عن الصقور المعارضين للانفراج مع كوريا الشمالية "ارادوا استخدام ذلك للتأكيد على ان الكوريين الشماليين كانوا مخادعين وخالفوا اتفاق الاطار مؤكدين 'لطالما قلنا لكم انها فكرة سيئة'".
ويوثق الكتاب الواقع في 405 صفحة التبدل في الموقف الاميركي حيال كوريا الشمالية الذي سجل خلال ولاية بوش الثانية، موردا معلومات اوفى مما نشر حتى الان بهذا الصدد.
ويعرض كيف سيطر كريستوفر هيل الذي خلف كيلي على عملية تحديد السياسة، اولا بمخالفته تعليمات من وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وعقده لقاءات ثنائية غير مأذون بها مع الكوريين الشماليين، ثم بعد الفوز بتأييد رايس من خلال السيطرة على المعارضين المتشددين للانفراج بمن فيهم المعارضون في مكتب نائب الرئيس ديك تشيني.
وساهم هيل في تحريك المفاوضات السداسية التي حملت كوريا الشمالية على اغلاق مفاعل يونغبيون النووي الذي كان ينتج مادة البلوتونيوم المستخدمة في صنع قنابل نووية.
وتحث ادارة بوش حاليا كوريا الشمالية على تفكيك ترسانتها النووية وتسليم كل اسلحتها النووية لقاء تطبيع العلاقات معها وتقديم ضمانات امنية لها.
ورأى تشينوي انه "من المثير للسخرية هنا كيف ان سعي المتطرفين للضغط على كوريا الشمالية لحملها على التخلي عن القنبلة، اوجد في الواقع ظروفا حولت كوريا الشمالية الى قوة نووية وجعلت عملية تفكيك برنامجها النووي اصعب بكثير مما لو اعتمدوا مقاربة مماثلة منذ البداية".