تكنولوجيا الفضاء الروسية تشهد تطويرا واسعا

موسكو
روسيا كانت اول دولة ترسل السياح الى الفضاء

في العاشر من آب/اغسطس عام 2000، شكلت بأمر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القوات الفضائية كسلاح مستقل. وكان أول قائد لهذه القوات هو الجنرال فلاديمير إيفانوف، رجل البحرية سابقا وخريج المدرسة العسكرية البحرية العليا في قزوين.
وكان إيفانوف عندما تخرج من المدرسة عام 1958 قد عين وهو ضابط شاب في محافظة أرخانغلسك، في منشأة "أنغارا" التي صارت فيما بعد مطار بليستسك الفضائي، بدلا من الخدمة في الأسطول. وبعد مضي عشرين عاما، عندما صار إيفانوف جنرالا وتخرج من أكاديميتين عسكريتين، عين رئيسا لهذا المطار.
وتعد القوات الفضائية احد أكثر أسلحة الجيش السوفييتي/الروسي سرية، وقد بدأ نشاطه قبل هذا بـ35 سنة، أي في عام 1957، عندما أطلق من مطار بيكونور الفضائي أول قمر صناعي.
وطوال هذه السنوات كان الخبراء العسكريون هم الذين يطلقون الصواريخ الفضائية كافة، سواء أكان هذا في نطاق برامج عسكرية أم في نطاق برامج مدنية.
غير أن وكالة "تاس" لم تكن لتقول بالدقة يوما، وهي تنبئ بإطلاق جهاز فضائي جديد، من الذي أطلقه. فقط كان يلوح على الصور التي تؤخذ في المطارات الفضائية في مكان ما على خلفية الصورة أشخاص في بزة عسكرية. ومع تشكيل القوات الفضائية بات ممكنا إعطاء العمل المضني والمديد لكل من لم تكن تذكره الأنباء الرسمية حقه.
غير ان تشكيل القوات الفضائية لم يتم وروسيا في أحسن حال. فقد تم على خلفية تقليص التمويل باستمرار وانهيار الاتحاد السوفييتي وفصل عناصر البنية التحتية الأرضية التي باتت في أراضي الدول المجاورة، والتي كانت من الجمهوريات السوفييتية سابقا، عن جسم القوات الفضائية الواحد.
كل هذا كان محفوفا بخطر انهيار علم الفضاء الروسي انهيارا كليا، غير أن هذا لم يحدث لحسن الحظ. فقد عقدت معاهدة مع كازاخستان حول استئجار مطار بيكونور الفضائي لفترة طويلة. وفي عام 1994 بات لروسيا مطارها الفضائي الخاص بها وليس المستأجر من قِبَلها، وهو مطار بليستسك.
وفي عام 1997 أطلق أول قمر صناعي من مطار "سفوبودني" المنشأ في الشرق الأقصى على قاعدة فرقة قوات الصواريخ التي طاولها التخفيض. فبدأت القوات الفضائية تتقدم بطلبات للحصول على أنظمة عسكرية ومزدوجة الغرض، وتعد وتطلق وتدير تحليقات كل الأجهزة الفضائية ذات الأغراض العسكرية والاقتصادية- الاجتماعية والعلمية وجزئيا السفن الفضائية والمحطات المدارية المأهولة. وباتت في الوقت نفسه تنافس بنجاح مثيلاتها الأجنبيات من مطلقي الأجهزة الفضائية. فنسبة عمليات الإطلاق التي ترافقها حوادث ما في روسيا لا تزال النسبة الأدنى في العالم، إذ تبلغ فقط 6 بالمائة من عمليات الإطلاق. كما أن الإسراع في إعداد التجهيزات التي تحمل "ماركة" القوات الفضائية وأمانة هذه التجهيزات في العمل يعدان سببا وجيها يجعل موقعي العقود من الولايات المتحدة والسويد وتشيلي وألمانيا والمكسيك وغيرها من البلدان يعولون على مطارات روسيا الفضائية.
ولا بد أيضا من التحدث عن خاصية أخرى هي أن مؤسسة الرقابة المدنية على الشؤون العسكرية ارتسمت معالمها، لعمري، بوضوح خاص في القوات الفضائية بالذات. وقد حدث هذا بفعل اهتمام المجتمع اهتماما بيّناً بمجال مرموق من مجالات النشاط ألا وهو مجال غزو الفضاء الكوني، وبفعل التعاون الدولي أيضا على تنفيذ المشاريع الفضائية.
وفي آب/اغسطس عام 1997 احتفلت القوات الفضائية بعيد تأسيسها الخامس. غير أن هذا العيد لم يكن سعيدا، إذ بات معلوما آنذاك أن القوات الفضائية ستلغى كسلاح مستقل ابتداء من 1 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه لتسلَّم إلى قوات الصواريخ الاستراتيجية. فقد كانت القوات الفضائية وقوات الصواريخ الاستراتيجية سائرتين جنبا إلى جنب لكونهما متشابهتين الى حد بعيد، غير انهما كانتا مستقلتين من حيث مهامهما ومن حيث أمور أخرى كثيرة. وإذ بالأولى تدمج بالثانية، تذاب فيها.
لقد كان رأي وزير الدفاع الروسي آنذاك إيغور سرغييف، وهو بالمناسبة قائد أعلى سابقا لقوات الصواريخ الاستراتيجية، أن دمج القوات الفضائية ووحدات الدفاع المضاد للصواريخ وقوات الإنذار بهجوم صاروخي يفترض فيه أن يزيد بنسبة 20 بالمائة فاعلية استخدامها في القتال وأن يعطي إضافة إلى ذلك وفرا يقاس بملايين عديدة من الدولارات بفضل ترشيد الاستهلاك.
غير انه تبين لاحقا أن شيئا من هذا لم يحدث. ولحسن الحظ أن وزير الدفاع، بل الرئيس أيضا تغير في البلد بعد قليل من الوقت. ففي آذار/مارس من عام 2001 أعيد إنشاء سلاح مستقل سمي الآن سلاح الفضاء. ومن مهامه الأساسية تكبير مجموعة الأجهزة العسكرية الفضائية المدارية والإبقاء دوما على استعدادها القتالي، وكذلك تأمين إطلاق الأجهزة الفضائية بما في ذلك إطلاقها على قاعدة برامج التعاون الدولي.
إن إنشاء سلاح الفضاء لم يكن وحسب عودة إلى الوضع الذي سبق تصفية القوات الفضائية في عام 1997. فقد سلمت إلى سلاح الفضاء المستجد ليس فقط وحدات ومنشآت القوات الفضائية سابقا التي منها تطلق الأجهزة الفضائية ويدار تحليقها، بل أيضا قوات الدفاع الصاروخي الفضائي بما في ذلك وسائل الإنذار المبكر بهجوم صاروخي ومراقبة الفضاء الكوني والدفاع المضاد للصواريخ.
وأعلن أن سلاح الفضاء المخصص للحصول مسبقا على معطيات عن توجيه الخصم ضربته سيكون الاتجاه ذا الأولوية في مجال تطوير القوات المسلحة الروسية. وبديهي هنا أن تقوّى وتزاد تعدادا بسرعة مجموعة أقمار التجسس المدارية.
غير أن روسيا، حسب قول قائد سلاح الفضاء الجنرال أناتولي برمينوف، سوف تعزز المجموعة المدارية نوعاً أكثر مما كمّاً. وأضاف قائلا: "لا يزال أمد خدمة الأقمار الروسية بعيدا عن أن يكون الأمد المثالي المطلوب، بل إنها لا تزال أحيانا في بعض من مواصفاتها الأخرى أدنى نوعية من أقمار البلدان "الفضائية" الرائدة. ففترة الخدمة المضمونة للأجهزة المدارية الروسية تبلغ الآن وسطيا 3-4 سنوات، ونحن نستغلها أحيانا حتى سبع سنوات".
وقال الجنرال إنه على اقتناع بان التصميمات الروسية الجديدة في الصناعة تتيح إنتاج أقمار صناعية لا تقل فترة خدمتها المضمونة عن 7-10 سنوات. وإن الحفاظ على قدرة شبكة الأقمار الملاحية الشاملة "غلوناس" على العمل باستمرار يعار الآن اهتماما خاصا.
ومما له دلالته أن جدول عمليات إطلاق الأجهزة الفضائية المخصصة بالدرجة الأولى لتأمين سلامة البلاد وأمنها نفذ بنسبة مائة بالمائة عام 2001، لأول مرة في خلال السنوات الخمس الأخيرة. وقد نفذت بنجاح أيضا كل عمليات إطلاق الأقمار العسكرية المقررة للنصف الأول من السنة 2002.
وبرأي نائب رئيس لجنة الدفاع في الدوما الروسية الجنرال نيكولاي بِزبورودوف أن قيام المجموعة العسكرية المدارية بمهامها الوظيفية يفترض أن تضم المجموعة 30-40 جهازا فضائيا. وإذا أخذنا في الحسبان أن نسبة 10-15 بالمائة من هذه الأجهزة الموجودة ضمن المجموعة تنتهي فترة خدمتها سنويا وتتعطل، فلا بد من إنتاج وإطلاق 4-6 أجهزة إلى المدار سنويا. وهذا واقعي تماما في ظل ما يخصص اليوم لهذه الأغراض من أموال.