تكتيك الصدر، وتكنوقراط العبادي!

ما يشبه العاصفة هبت على الوضع السياسي الملتهب بالبلاد، منذُ ان اطلق العبادي قنبلتهِ بوجه القوى السياسية الفاعلة في المشهد الحكومي، حين دعا الى إحداث تغيير جوهري في الكابينة الوزارية التي يرأسها منذ نهاية 2014. كانت هذه الدعوة بمثابة رمي حجر كبير في بركة تبدو من الأعلى ساكنة، لكنها تمور من الداخل، فالكتل السياسية الشيعية منها، تواجه اقسى ما يمكن لها ان تواجهه في عمر مسيرتها السياسية التي كانت فيما مضى مزهوةً بأنها تدعي تمثيل طائفة معزولة عن الدولة بفعل نظام استبدادي، لكنها ما ان واجهت تحدي ادارة دولة ما بعد الاستبداد، حتى بانت عورتها وبات هزالها السياسي والاداري سمةً لها. هي قوى بلا مشروع ولا رؤية وليس لها سوى التسلط تحت اي يافطة. فمن منطلق الدفاع عن مظلومية الشيعة، الى الوصول بالتضحية بالشيعة في حروب طويلة استنزافية، والامعان في نهب مقدارت مدنهم وخيراتهم عبر تسليط جماعات فاسدة لا ترعوي عن ارتكاب كل شيء، حد تسخير عناصر النظام السابق في ماكنة الفساد الهائلة التي ابتعلت مقدرات العراق على مدى عقد مضى.

واذا كانت دعوة العبادي تنطلق بناءً على تجربة فعلية عبر ما لمسه الرجل في مؤسسات الدولة التي تدار بطريقة فئوية، خَبر عبرها كم الفشل والفساد المستشري في تلك المؤسسات، فأن هذا الاكتشاف متأخر للغاية، ولا جديد فيه. ففيما كان سلفه يشكو من ذات المطب، فأنه لم ينجح في إصلاح هذا الوضع حين مُنح فرصة في نهاية 2006 عندما منحه الصدر فرصة لاعادة تسمية وزراء جدد في حكومته بعد سحب وزرائه، فما كان من المالكي إلا ان استوزر شخصيات اقل ما يقال عنها بأنها قليلة الكفاءة، واختار على اساس حزبي فئوي في واحدة من ابرز تجليات تقديم الخاص على العام، والتفكير بمنطق الجماعة لا الامة.

ما يطرحه العبادي الآن يبدو مشابهاً لتلك الشكاوى، بل وامتداداً لذات المنهج السابق في تحميل الكابينة الوزارية مسؤولية الفشل، ومن ثم رمي التهم على المجلس النيابي بحجة تعطيل مسارات اصلاح الحكومة لتعاد من جديد ذات التجربة وان اختلف الاسم فحسب.

ما ادركهُ الصدر وما سعى اليه يبدو انه ينطلق من تجربة، ويحاول تجنب المآل الذي اتخذته العلاقة مع حكومتي المالكي لذا جاءت موافقة الصدر على برنامج اصلاح الحكومة مشروعة، عكس سابقتها، حيث شكل الأخير فريقاً يظنه من الخبراء والمختصين للمباشرة مع فريق العبادي السري الذي يقول عنه ان يتولى التقييم، لشغل الحقائب الوزارية التي ستشغر بسحب الصدر لوزرائه.

ان ما يحدث الآن هو مرحلة متقدمة من عملية لي الاذرع المتبعة بين ذات القوى السياسية التي اشتركت في حكومات الفشل السابقة، وهذه المرة، يضع كل منهم الأخر في موقف اثبات حسن النوايا امام ساحة غاضبة باتت لا تلقي لمثل هذه الدعوات اذناً، بعد ان وصلت انياب التقشف مراحل متقدمة في الاطباق على ما تبقى من قدرة المواطن على مجابهة الوضع المزري.