تقييم موضوعي للمعوقات التي واجهت الدبلوماسية العراقية

بقلم: ياسين البدراني

ليس سرا ان الحكومة العراقية بقيادة رئيس الوزراء المنتهية ولايته قد عانت من انقسامات وانشقاقات كثيرة لعل ابرزها انسحاب وزراء جبهة التوافق وقبلهم وزراء القائمة العراقية كما ان الخلافات بين رئيس الحكومة المالكي ووزراءه قد وصلت الى مراحل متدهورة من جراء سياسة المالكي بتعيين اكثر من تسعين مستشارا مع صلاحيات التدخل والتصريح في العمل اليومي للوزراء ومسؤولياتهم وصولا الى محاولة التعريض ببعضهم. ونذكر هنا نموذج النائب البرلماني واحد مستشاري المالكي، سامي العسكري، والذي خسر الدعوى التي اقامها عليه وزير الخارجية هوشيار زيباري بسبب تصريحات الاول والتي اعتبرتها المحكمة سبا وقذفا. ولولا ان العسكري تمترس خلف الحصانة البرلمانية لزُج بمستشار رئيس الوزراء العراقي في السجن. ناهيك عن عدم توضيح حدود المسؤوليات. وهنا نذكر بالتحديد مسؤولية الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ والذي اصبح في فترة ما متدخلا في كافة اشكال الشأن الحكومي ومنها السياسة الخارجية متصورا ان هذا هو دور الناطق الرسمي باسم الحكومة، في حين ان دوره الاساس محدد ومنحصر في التعبير عما يُقر في اجتماعات مجلس الوزراء من خلال اعطاء نبذة للصحفين. هذا الدور المحدد والصغير لم يكن ليقنع الدباغ والذي وجد الباب مفتوحا من قبل رئيس وزراءه ليتدخل في السياسة الخارجية ويعطي التصريحات والمقابلات الصحفية والمواقف السياسية والتي في غالب الاحيان يكون لها تبعات قانونية واثار خطيرة على حقوق الدولة العراقية وعلاقاتها الخارجية. وهنا نقف مطولا امام التصريحات الخطيرة التي ادلى بها الدباغ ابان المفاوضات التي كان يقودها الوكيل القانوني لوزارة الخارجية العراقية د.محمد الحاج حمود في ايران حول سرقة ايران للنفط من الحقول النفطية العراقية قبل حوالي سنتين او اكثر. ففي مفارقة غريبة خرج الدباغ بتصرحات ينفي فيها نفيا قاطعا حدوث مثل هذه السرقة والاغرب كانت المؤازرة اللاحقة له من وزير النفط المُقرب من ايران حسين الشهرستاني والذي ايد تصريحات الدباغ ناسيا او متناسيا بان المعلومات حول سرقة ايران للنفط العراقي وردت من وزارته اصلا الى وزارة الخارجية العراقية ومتغافلا مع الدباغ عن ان هذه المعلومات قد سربتها كذلك الولايات المتحدة اعتمادا على معلوماتها الاستخبارية وصور الاقمار الصناعية. اذن ضربة مزدوجة تلقاها الوكيل القانوني للخارجية والذي لم يعد في استطاعته حينها ان يكمل المفاوضات امام التسابق على استرضاء طهران.
اذن احد المعوقات الرئيسية التي عانت منها السياسة الخارجية للعراق هي التدخلات التي سمح بها اصلا رئيس الحكومة المالكي بالاضافة الى ضعف الولاء للعراق او عدم تقدير المسؤولية من قبل كبار مسؤولي الدولة العراقية وتدخلهم في امور لا تدخل في اختصاصاتهم. وهذا ربما مثال اعقبه حالة بدت اشد في تحديد المسؤوليات تجلت في المفاوضات العراقية الاميركية حول الاتفاقية الامنية والتي قادها بكفاءة وزير الخارجية العراقي مع وكيله القانوني،، ووصل الامر بان تم سحب الملف من قبل رئيس الوزراء العراقي واعطاءه للجنة من مستشاريه لتولي مسؤولية التفاوض ففشلوا في ذلك فشلا ذريعا اعيد بعده الملف بضغوط اميركية الى وزير الخارجية ليعطي للاحتراف والمهنية الفرصة الحقيقية لاكمال المفاوضات بشكل ناجح اثمر عن الاتفاقية العراقية الاميركية (صوفا).
كما ان السياسة الخارجية للعراق تعرضت لمعوق رئيسي وهو افتقاد الحرفية لدى امانة مجلس الوزراء وبقية وزارات الدولة العراقية حيث ان الامور الفنية والتي من المفروض ان تغطى من قبل الوزارات المعنية مثلا موضوع نهري دجلة والفرات والتي يجب ان تغطي بكفاءة من قبل وزارة الموارد المائية مع اسناد كامل من جانب الخارجية العراقية، عجزت هذه الوزارات عن ادارة ملفاتها بشكل شبه كامل. فهذه الوزارات لم تستطع ان تنشئ كادرا وظيفيا متخصصا على قدر كبير من الحرفية وانما اعتمدت فقط على ما هو متوفر داخل العراق دونما السعي الحثيث لتطويره. فلم يتم ارسال بعثات ممنهجة بحيث يتكون في كل وزارة عراقية خلال اربع سنوات كادر قانوني كفوء مُطلع على القانون الدولي وآلياته، ولم يتم تكوين فريق اعلامي ناجح بكل وزارة مُطلع على تكنولوجيا المعلومات وكيفية ادارة الاعلام وتشكيل التغطيات الاعلامية لاي حدث وترويجها دوليا. ولم يتم تطوير العلاقات مع منظمات المجتمع المدني في العالم والتي لها دور رئيسي في الضغط على حكوماتها. فمثلا في موضوع دجلة والفرات، لم يكن هناك دور ذو اهمية بارزة لوزارة الموارد المائية. في حين اكتفت وزارة البيئة بدور هزيل تمثل ببعض الندوات او النشرات او حتى المؤتمرات ضعيفة الحضور، في حين ان هذا الموضوع كان يجب ان يهيء ضمن اطارين قانوني وفني وان تنظم حملة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المختصة والتي يجب ان تُوفر لها جميع الامكانيات للاطلاع على حجم الكارثة المائية والبيئية في العراق مع المساهمة في حملة اعلامية منظمة ومدروسة تساندها وزارة الخارجية العراقية من خلال اتصالاتها بالحكومات ورجال السياسة والبرلمانيين والاعلاميين ليشكل هذا كله جهدا موحدا ومنسقا يصب في خدمة القضية العراقية في موضوع الضغط على دول المنبع والتي تقوم بافعال غير قانونية تجاه العراق. علما ان هذا الموضوع ليس بالموضوع الهين واليسير وانما يتطلب تهيئة خطة متكاملة وشاملة وان تتوفر الامكانيات المادية وان تهيئ كوادر على المديين القريب والمتوسط لتستطيع قيادة مثل هذه الحملات او حتى المشاركة فيها. وهذا بالاساس يتطلب موارد مالية فيجب ان ترسل البعثات المتخصصة وان يتابع المبتعثين بحيث يُضمن عودتهم الى العراق باسرع فترة ممكنة.
ولكن هذا كله لم يحدث واقتصر الجهد الفعلي على وزارة الخارجية العراقية والتي حاول وزيرها الى اقصى حد استثمار علاقاته الدبلوماسية القوية مع بعض الدول للتأثير عليها او للتأثير على الدول المعنية وحقق نجاحا ولكنه محدود لان الموضوع بالاساس لا يصب في اختصاصه المباشر وانما يدخل في اختصاصه المساند اي ان دوره ساندا وداعما للجهد المنسق الذي من المفروض ان تبذله وتقوده الوزارات المعنية. وهذا ما لم يحدث.
لذا فان الدبلوماسية العراقية مهما تبذل من جهد يبقى ما هو متحقق من نجاح قليل نسبيا لان الجانب الفني الرئيسي لم يقم بواجبه اصلا.
ومن اكبر المعوقات التي واجهت الدبلوماسية العراقية هي حل الاشكاليات القانونية والمالية التي نتجت بفعل سلوكيات نظام صدام حسين حيث ان هذه السلوكيات انتجت قرارات دولية وهي الصادرة عن الامم المتحدة بالاضافة الى تراكمية الديون، ناهيك عن الاشكاليات والدعاوى القانونية والحجز على الاملاك العراقية، حتى ان هناك رأيا قانونيا مفاده ان خروج العراق من تحت طائلة البند السابع من ميثاق الامم المتحدة قد يكون في غير مصلحة العراق لان الاموال العراقية حاليا محمية بموجب قرارات الفصل السابع وبعد خروجه ستكون مشاعة امام الشركات والدول الاجنبية التي استصدرت قرارات قضائية بالحصول على تعويضات من الاموال العراقية.
هذا الموضوع كان مسعى الدبلوماسية العراقية فيه ناجح الى حد كبير فيما يتعلق بالديون الخارجية عدا موضوع الكويت والسعودية وايران والذين يتمسكون بمطالبهم لاسباب سياسية. ولو توفرت حكومة عراقية متماسكة لكان بامكان الدبلوماسية العراقية ان تحقق نجاحا ايضا في هذا الجانب.
الا ان ما تحقق من نجاح هو ايضا كبير بكل المقاييس حيث الغيت مليارات من الديون التي كانت تُثقل ميزانية الدولة العراقية واقتصاده المُنهك اصلا.
اما موضوع القطاع الخاص والدعاوى المرفوعة والقرارات القضائية الداخلية ضد العراق فقد عانت الدبلوماسية العراقية الامرين مع مؤسسات الدولة العراقية كوزارة النقل العراقية في القضية التي رفعتها الخطوط الجوية الكويتية ضد الخطوط الجوية العراقية. فهذه الوزارات تسوف وتماطل وتحيل موضوع توكيل محامين اجانب اكفاء الى روتينها القاتل الامر الذي يؤدي في الغالب الى عدم توكيل محامين اكفاء او عدم دفع مستحقات المحامين الاجانب مما يؤدي الى تماهلهم في متابعة القضية مما يؤدي الى صدور قرارات ضد الدولة العراقية بمجملها كان يمكن تفاديها ابتداء لو ان مؤسسات الدولة العراقية سارعت ومنحت تفويضا مفتوحا لوزارة الخارجية لتوكيل محامين اجانب مع صلاحية منحهم اجورهم المتفق عليها، وهذا لم يحدث ومن غير المتوقع ان يحدث قريبا. حيث مازالت مخاطبات هذه الدوائر (كتابكم وكتابنا) وليقم المحامي بمتابعة القضية طبعا دونما تفويض له او منحه اي مقابل مادي!
ولو نظرنا الى الجانب المقابل نجد مثلا الخطوط الجوية الكويتية استعانت مباشرة باحد اكبر المحامين البريطانيين ودفعت له بسخاء ليتولى تمثيلها احسن تمثيل في وجه عجز قانوني كبير للجانب العراقي. وبدلا من دفع أجور المحامي، قررت الحكومة حل الخطوط الجوية العراقية وانهاء شركة عراقية أصيلة تعود الى عام 1946.
والامثلة ربما في هذا الجانب لا تعد ولا تحصى.
اما المعوق الاكبر للدبلوماسية العراقية فتمثل في نوعية السفراء الذي تم تعيينهم حيث ان عملية تعيين السفراء السياسيين اي غير المحترفين كانت ديدن الحكومات العراقية المتعاقبة وهو امر جعل خيارات رئيس الدبلوماسية العراقية محدودة حيث وجد نفسه مضطرا الى الاعتماد على سفراء وان كان قسما منهم مسلكيين الا ان كفائتهم محدودة وبدون خيارات اكثر فعالية. وربما تكون الوجبة الاخيرة للسفراء التي عينت شاهدا على صعوبة الموقف الذي وضع فيه وزير الخارجية. فمن سفير تشوهت سمعته بفعل تسرب شريط فيديو خاص، الى سفيرة ترفض مقابلة لجنة الخدمة الخارجية بدون وجود "محرم"، الى محافظ فاشل وسياسي مغمور، وامثلة لا تعد ولا تحصى.
حاول رئيس الدبلوماسية العراقية تدارك ضعف مستوياتهم بزجهم بدورات دبلوماسية ولكن لا يتوقع منهم رغم ذلك ان يؤدوا الاداء المهني العالي الامر الذي يستوجب لاحقا من رئيس الدبلوماسية العراقية تنقيح السفراء والتخلص ممن يظهر عجزه باديا ولا سبيل لمعالجة فشله، وهو عمل لا اعتقد بانه سهل في ظل الدعم السياسي الذي يحمله كل سفير في جعبته.
على ان الصورة ليست قاتمة كليا حيث ان بعض السفراء استحقوا هذا المنصب عن جدارة واستحقاق الا ان دورهم ربما سيكون محدودا لان عملية توزيع مهام السفراء على الدول اعتمدت على النفوذ السياسي لكبرى الكتل السياسية وليس على رأي وزير الخارجية والذي كان يستطيع ان يستخدم افضل ما متوفر من ادواته في السفارات التي تتطلب سفراء تتوفر فيهم مواصفات مهنية وحرفية عالية.
ورغم هذا التحدي، الا ان رئيس الدبوماسية العراقية يتابع باجتهادٍ بالغ بعثاته كافة لتلافي عيوب انعدام او قلة الخبرة التي تظهر لدى قسما من سفرائه.
اذن معوقات وتحديات يندر ان توضع على كاهل وزير خارجية اي بلد عدا العراق. ورغم كل هذه المعوقات بالاضافة طبعا الى التحدي الامني والذي ادى فشل الاجهزة الامنية العراقية الى تدمير شامل وكامل لمقر وزارة الخارجية الا ان ذلك لم يفت في عضد رئيس الدبلوماسية العراقية والذي اثبت ان الارادة والتصميم والعزيمة ممكن ان تحدث الفرق... الفرق بين النجاح والفشل،،، هو الفرق بين وزير الخارجية ووزارته وبين معظم وزراء الدولة العراقية ووزاراتهم المتهالكة فسادا وروتينا واداءا ومهنية. ياسين البدراني