تقليص موانع التكفير.. والعذر بالجهل

ارتباك فقهي في التكفير

قلص "داعش" موانع التكفير، خصوصاً مانع الجهل والتأويل، لذا فتراه اخترع ما يسمى (التكفير باللوازم)، وامتحن العوام في عقائدهم، وكفّر بالمولاة، حيث ركّب وصف (الصحوات) على الناقض الثامن من نواقض الإيمان (مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين)، وبنى تكفيره للمعينين على وصف العاملين بالديمقراطية على الناقض الرابع (من فضّل حكم الطواغيت على حكم الشرع)، وذكر في ذلك "فإن المرء إذا كان يُقدّر وجود (مسلمين) في صفوف الطائفة، ويوسع لهم دائرة العذر ليشمل الجهل بأصل الدين، فسيضطر، من حيث يشعر أو لا يشعر، عاجلًا أو آجلًا، إلى أن يتورع ويحتاط، فلا يستهدف المرتدين خشية أن يقتل (مسلمين متأولين)".

وقد تحدث شرعيّ التنظيم تركي البنعلي تفصيلاً حول تكفير العاذر وموانع التكفير وقال: من لم يكفره (يعني المشرك) على ثلاثة أقسام:

1- من لا يرى ذلك كفرًا إلا بربطه بالقلب فذلك مرجئ.

2- من يرَ ذلك كفراً ولكن يعذره بمانع فذلك سنيّ يحاور.

3- من يرَ ذلك كفرًا ولا يرى أي مانع ثم يتوقف عن تكفيره فهو كافر، وهو المعني بمثل هذا النقل.

من هنا فيما يتعلق بقواعد الكفر والإيمان، اعتقد التنظيم أن قتال المرتد أولى من قتال الكافر الأصلي، واختاروا القول الفقهي الذي يؤيد ذلك، كما ورد في بيان للمتحدث الإعلامي السابق، أبو محمد العدناني، بعنوان: (الآن جاء القتال)، مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي، في الدقيقة (35)، وإنَّ الذي أمرنا بقتال الكافر الأصلي أمرنا بقتال المرتد، بل وقدَّم قتال المرتد".

في بيان آخر، تحدث العدناني عن الاستحلال، وكفر الجيوش، وتكفير الجنود بشكل عام، دون إقامة حجة، أو موانع التكفير الأخرى، وقال: "لا بد لنا أن نصدع بحقيقة مرة لطالما كتمها العلماء، واكتفى بالتلميح لها الفقهاء ألا وهي "كفر الجيوش الحامية لأنظمة الطواغيت"، ولا بد لنا أن نصرح بهذه الحقيقة المُرّة ونصدع بها، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، إن جيوش الطواغيت من حكام ديار المسلمين هي بعمومها جيوش ردة وكفر، وإن القول اليوم بكفر هذه الجيوش وردتها وخروجها من الدين، بل ووجوب قتالها لهو القول الذي لا يصح في دين الله خلافه".

اعتبر التنظيم أن من لا يحكم على الجيوش بالكفر فهو خارج عن مذهب أهل السنة، وهو مرجئ، كما ورد في دابق أيضًا، في شهادة لأحد منسوبيه ذكر فيها الأخطاء الإرجائية عند بعض المدارس القتالية وقال من ضمنها: "تنظيم جهادي له توجّه إرجائي لِما كان يصدر عن بعض قيادته قديمًا بخصوص بعض الحُكّام المرتدين، خاصةً آل سعود، وعساكرهم، والتوقف في ردتهم".

الكفر بالموالاة

يُكفِّر التنظيم بالمولاة والتتابع، فعلى سبيل المثال، من قاتل مع الجيش الحر فهو مرتد، ومن لم يُكفّره فهو كافر أيضًا، ولهم استدلال بقول لابن القيم، في "مفتاح دار السعادة"، وهو: "فإنَّ الدِّينَ هو الذي فرَّقَ بين الناسِ في العِصْمَةِ -أي عِصْمةِ الدِّماء- وليس في حكْمَةِ اللهِ وحُسْنِ شَرْعِه أنْ يَجْعَلَ دمَ وَلِيِّه وعبدِه وأحبِّ خَلْقِه إليه وخيرِ برِيَّتِه ومَنْ خَلَقَه لنفسِه واخْتَصَّه بكرامتِه وأهَّلَه لجِوارِه في جنَّتِه والنَّظرِ إلى وجْهِه وسَماعِ كلامِه في دار كَرامَتِه كدَمِ عدُوِّه وأمْقَتِ خَلْقِه إليه وشَرِّ بَرِيَّتِه والعاِدلِ به عن عبادتِه -كحال اليهودِ والنَّصارى، والباطنيين من الدُّرُوزِ والنُّصَيْرِيَّةِ والإسماعيليَّةِ وغيرِهم.

الارتباك الفقهي

فمن المعلوم أن الذي يريد النجاة يتمسك بمن هو أفضل منه، لكنهم وقعوا في كارثة سياسية قاتلة؛ إذ إن القاعدة تعتمد على المجاهدين السلفيين، فلا يمكن لسلفي أن ينقاد لماتريدي طالباني، وهو يصبح ويمسي على احترام دول الجوار وطواغيت، العرب فهنا سيحدث الافتراق والتمرد على التنظيم، فكيف لمجاهد سوي صاحب دين وعقيدة أن يتبع جماعة تحترم دول الجوار، كحكومة باكستان التي سامت المسلمين أنواع العذاب، وأذاقتهم أصناف العذاب، وزد على ذلك أن قادة حكومة باكستان من اﻹسماعيلية والقاديانية، ومعظم قيادات الجيش من الروافض اﻷنجاس، والقانون المعتمد في البلاد هو القانون الوضعي اللعين، فبأي دين يحق لطالبان أن تعتبر هؤلاء مسلمين يجب كف السلاح عنهم، وهم يقتلون المسلمين ويدمرون المنازل على رؤوس أصحابها، وينهبون اﻷموال ويغتصبون النساء؟!

كيف للقاعدة أن تبايع هؤلاء وتتفاخر بهم؟ بأية حجة أتيتم؟ فكاتب الوحي ارتد عن دين الله أم إن الفزعات والنخوات دين آخر استحدثتموه، ومع كل هذا تقولون الدعاوى على انحراف القاعدة كاذبة؟! أبعد هذا تدعون صحة منهجكم؟ وكيف لك يا أخا التوحيد والعقيدة أن تبقى في هكذا تنظيم وقد انفتح سوق الجهاد والخلافة على مصراعيه، والقلوب مفتوحة وراضية والهم هو نصرة الدين والتوحيد؟ فلا تلتفت لجماع توالي من يعتبر مرسي مسلما فاتحًا، فطالبان صرحت بأن مرسي مسلم، وتعتبر وصوله للسلطة فتحا ونصرا للإسلام والمسلمين.. سبحان الله! أهذا دين؟ أهذا حق؟ فأين أنتم يا قاعدة الجهاد من هذا اﻷمر؟ كيف تدعون تكفير الطواغيت وأمراؤكم الطالبان لا يكفرونهم؟! كيف تدعون عداوتكم للأمم المتحدة والحرب عليها وأمراؤكم يخطبون ود الأمم الهالكة؟!

اتضح الارتباك في تكفير العاذر بالجهل، حيث كان تنظيم الدولة يحكم بأن العاذر بالجهل ليس بكافر، إنما هو مسلم ليس عليه شيء، ولا يثبت له شيء من أحكام الكفار، وتقول: إنما هو مسلم مثلنا له ما لنا وعليه ما علينا، وقال شرعيّ الدولة أبو بكر القحطاني: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، (ينبغي ضبطها قبل إنزال الحكم)، من لم يكفر الكافر، فقد لا يكون يعرف حاله.

في مقال لأبي ميسرة الشامي، إنهم يعذرون المشركين، قائلاً: إن كلام الشيخ الذي تقرؤونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الإسلام شيء، فانظر كيف زعموا أن الذين كفرهم الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ليس معهم من الإسلام شيء، لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا غيرها! كما كتب أبو عبيدة الأثبجي مقالاً قال فيه: إن اتجاه الإعذار بالجهل اتجاه معتبر لا ينكر على صاحبه. أما رسالة (في العاذر) لأبي معاذ النصراني، ففيها: فمن الجناية على العلم والمنهج تكفير اتجاه الإعذار بالجهل، أو تكفير أهله.

كان تنظيم الدولة لا يكفرون الشعوب المشركة ويقولون إن الأصل بالناس الإسلام، كما في كلمة للعدناني (إن الأصل في أهلنا بالشام والعراق هو الإسلام) ويعاملونهم معاملة المسلمين، ويأكلون من لحومهم ويتزوجون منهم، ويأخذون منهم الزكاة.