تقسيم العراق، مشروع واشنطن الجديد للفرار من الهزيمة

صوت مجلس الشيوخ الأميركي لصالح قرار حول خطة لتقسيم العراق، يعتبر الذين قدموه أنه الحل الوحيد لإنتشال القوات الأميركية من المستنقع العراقي ولوضع حد لأعمال العنف والمقاومة ضد القوات الأجنبية التي تحتل بلاد الرافدين.
المدافعون عن خطة التقسيم التي تمت صياغتها بين تل أبيب وواشنطن منذ سنوات وخاصة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في نهاية عقد الثمانينات، وبروز بغداد كقوة اقليمية تهدد الكيان الصهيوني وهيمنة الولايات المتحدة على نفط الخليج العربي، يحاولون أن يوهموا العالم أنهم يتصرفون بمعزل عن ادارة الرئيس بوش. ومن جانبه يبقى نصير الخطة الأكبر نائب بوش ديك شيني في الظل محاولا القول ان الرئيس لا يناصر مشروع التقسيم لأنه غير مضمون النتائج.
ويرى المراقبون أن الأمر ليس أكثر من مناورة ضمن تلك التي أكثرت منها إدارة البيت الأبيض لتغطية هزيمتها في بلاد الرافدين والبحث عن بدائل.
ويجري التأكيد في العاصمة الأميركية على انه رغم أن هذا القرار غير ملزم، ولن يجبر الرئيس جورج بوش على تغيير استراتيجيته الرسمية والمعلنة في العراق، إلا أنه سيكون اختبارا رئيسيا لفكرة تستقطب اهتماما متزايدا في واشنطن وخاصة من جانب المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني.
ويقول مؤيدو القرار، الذي تقدم به السناتور الديمقراطي جوزف بيدن أحد المرشحين إلى البيت الأبيض، إنه يقدم حلا سياسيا في العراق يمكن أن يسمح بانسحاب القوات الأميركية دون ترك البلاد لتعود الى قبضة قوى سياسية معادية لواشنطن. وقد حذر جوزف بيدن عدة مرات خلال الأشهر الماضية من عودة حزب البعث الى السلطة بعد الانسحاب الأميركي مشيرا أن ذلك سينسف كل خطط البيت الأبيض حول الشرق الأوسط الكبير. أوهام المحافظين الجدد وتبدو فكرة تشكيل فدرالية بين مناطق كردية وشيعية وسنية عراقية جيدة على الورق لهؤلاء المحافظين الجدد الذين يعيشون وهم اساطير دينية للإنتقام من ورثة حضارة بابل، إلا أن منتقديها يقولون إنها غير قابلة للتطبيق وترفضها غالبية الشعب العراقي، كما انها تتجاهل المدن التي يعيش فيها خليط من هذه المجموعات الثلاث جنبا إلى جنب وتتزاوج فيها الطوائف ولا تفصل بينها حدود على الخارطة.
ويشير خصوم الخطة الى أن أكثر من 70 من الزيجات العراقية مختلطة بين سنة وشيعة وأكراد وان اجيالا كاملة تخلصت من العقد الطائفية التي حاول الإحتلال احياءها بعد سقوط بغداد تحت الإحتلال في 9 ابريل/نيسان 2003 فلم ينجح إلا على نطاق محدود وبمساعدة قوى أجنبية.
وتنص الخطة التي صاغها ليزلي غيلب، خبير السياسة الخارجية في إدارة الرئيس جيمي كارتر، على وضع نظام فدرالي حسبما يسمح الدستور الذي وضعه الحاكم الأميركي للعراق بريمر. وتنص الخطة على تقسيم العراق إلى كيانات كردية وشيعية وسنية مع حكومة فدرالية في بغداد تتولى أمن الحدود وعائدات النفط.
اللافت للنظر انه في بلاد تدعي انها المدافع الأول عن الحرية والديمقراطية في العالم، حققت الخطة ما عجزت العديد من الخطوات الأخرى بشأن الحرب في العراق عن تحقيقه، الا وهو استقطاب الدعم من كافة الأطراف السياسية في واشنطن التي تسببت الحرب في العراق في خلق خلافات بينها. وقد وقع على الخطة العديد من الجمهوريين الذين يدعمون خطة بوش لزيادة عديد القوات الأميركية في العراق والمستاءين من الأزمة السياسية في بغداد. وقال السناتور الجمهوري سام براونباك، وهو واحد من 11 عضواً من مجلس الشيوخ الداعمين للخطة "نحن نسعى إلى تطبيق خطة سياسية مليئة بالعيوب في بغداد حاليا".
وقد ركزت جل الصحف الأميركية الصادرة يوم 25 سبتمبر على الشأن العراقي من عدة جوانب، ولكن اهتمامها انصب على خطة تقسيم العراق.
وتحت عنوان "حتميات العراق" تساءل ريتشارد كوهين في صحيفة واشنطن بوست: هل حان الوقت لتقسيم العراق؟ مشيرا إلى أن تكوين باكستان والهند المعاصرتين استوجب اقتلاع أكثر من 12 مليون شخص، حتى أن بنغلاديش نفسها انتزعت من باكستان. وأن الدول تأتي وتذهب وقد آن الأوان لكي يذهب العراق.
وقال إن الطريقة التي يجب أن يتم بها هذا الأمر خطط لها من زمن طويل رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ جوزيف بايدن والرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية ليزلي غيلب، فالرجلان يؤيدان تفتيت العراق.
وأشار الكاتب إلى أن ما يحدث الآن في العراق تجسيد لخطة بايدن غيلب التي نشرت منذ أربعة أعوام.
ورأى الكاتب أن من المنطق أن تقر الولايات المتحدة واقعا وتؤيد تقسيم العراق وأن من المنطق أيضا أن يفعل مرشحو الرئاسة الديمقراطيون نفس الشيء. وأضاف أن هناك عوائق هائلة أمام تحقيق خطة الفدرالية، مثل كيفية تقسيم عائدات النفط والتعاطي مع إيران وكيفية تحويل عملية سياسية إلى خطة تسير خطوة خطوة. خدمة المشروع الصهيوني منظرو مخط التقسيم كثيرون ولكن من ابرزهم "جون يو"، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا - بيركلي والباحث في منظمة اليمين المتطرف المعروفة بإسم "اميركان انتربريز انستيتيوت" ورجل القانون الأميركي "ألان توبول"، الرجلان بالإضافة الى تقديمهم تحليلات مستفيضة عن فعالية مشروع التقسيم وخدمته للمصالح الأميركية سواء على المدى القريب أو البعيد، قدما مخططا متكاملا لضرب الوحدة الوطنية العراقية شرع البنتاغون بتطبيقه فور سقوط البوابة الشرقية للأمة العربية. الخطة ارتكزت على محاولة بذر الشقاق بين فصائل المقاومة الوطنية العراقية من خلال إنشاء فصائل مقاومة وهمية تقوم بأعمال إجرامية بحق المواطنين العراقيين الآمنين الهدف منها تقليص الدعم الشعبي الواسع للعمليات البطولية التي تقوم بها المقاومة ضد قوات الإحتلال والقوات الأمنية للسلطة العميلة التي نصبوها في العراق. وزيادة على ذلك استغلت اجهزة المخابرات الأميركية أطماع بعض جيران العراق في اقتطاع جزء من الكعكة لإستخدامهم مع عملائهم الذين دخلوا بلاد الرافدين مع الغزو تحت غطاء اسماء مختلفة في نشر الخلافات الطائفية وإحياء النزاعات العشائرية خدمة للتقسيم وتأمين سند للكيان الصهيوني ضمن الدويلات لجديدة. نفط وفير ورخيص أهداف مخطط تقسيم العراق تتعلق بشكل أساسي كذلك بضمان توفير النفط الرخيص والوفير للولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل. وقد كان وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسينجر، هو صاحب فكرة نقل النفط من العراق إلى الغرب وإلى إسرائيل بالذات، كما كان يتم قبل الثورة في العراق سنة 1958، وذلك في حالة نجاح واشنطن في تبديل نظام الحكم في بغداد، وهو الأمر الذي فشل فيه الغرب حتى ابريل 2003. ويذكر أنه في عام 1975 ومع تعذر تعديل مواقف بغداد، وقع كيسينجر مذكرة تفاهم مع إسرائيل تضمن الولايات المتحدة بموجبها لإسرائيل إحتياطي من النفط ومصدرا للطاقة في وقت الأزمات. ويتم تجديد المذكرة في هدوء كل خمسة أعوام، مع تشريع خاص مرفق بها تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بموجبه توفير إحتياطي إستراتيجي من النفط لإسرائيل، حتى إذا ما إستتبع ذلك نقص داخلي في النفط، وقد كلف هذا الإلتزام دافعي الضرائب الأميركان ثلاثة مليارات من الدولارات في عام 2002.
إحتلال العراق وبالتالي تقسيمه لم يكن إلا من أجل مصلحة إسرائيل لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير و"إسرائيل الكبرى". منذ البداية كانت الأهداف الأساسية للإحتلال هي تقطيع العراق، والقضاء على كيانه ودولته وتدميره تماما. غير ان طريقة التفتيت هذه اختلفت عن سابقاتها التي ساعدت عليها الإدارات الأميركية في مناطق أخرى من العالم. فقد اخترع الأميركان والصهاينة للعراق طريقا آخر مختلفا عما سبق وأن مارسته أميركا والصهيونية العالمية ألا وهو بواسطة ما يسموه بـ "الدستور والفيدرالية". فالأول سيعطي الأميركان والصهاينة حق نهب العراق الذي سيتم تشكليه من ثلاثة دويلات هزيلة وربطها بعجلة المصالح الأميركية الاستعمارية زائد الوجود العسكري الدائم، والثاني سيفتت العراق بشكل قانوني "دستوري" داخلي فرضوه على عملائهم المستبدلين من طرفهم في السلطة التي لا توجد عمليا إلا في المنطقة الخضراء. صنائع الإستعمار ما يسمى بالفصائل او المليشيات أو التشكيلات الحزبية التي خلقت من طرف القوى المحتلة والطامعة تستخدم لترجيح فكرة التقسيم، فهي تسعي الى تشكيل اقاليم تتمتع بحكم ذاتي علي اسس عرقية او طائفية في ظل اطار فدرالي فضفاض مدعية ان ذلك سيساهم في استقرار البلاد وتعزيز ازدهارها الاقتصادي، وتغطي كل هذه التحركات بكذبة انها لا ترغب في تقسيم العراق. الا ان المراقبين حذروا من انه اذا سمح لما يسمى غربيا برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي او مؤيدوه بحدوث ذلك أو حتى التشجيع علي حدوثه، فان النتيجة ستكون كارثة وزعزعة الاستقرار في الشرق الاوسط كله. وقال دومينيك موازي من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية ان نظرية تقسيم العراق طرحت في السابق، ولكن السبب في عدم تشجيعها هو ان الجميع يعلمون ثمن التقسيم .
وصادق البرلمان العراقي في نوفمبر 2006 على القانون الاجرائي لتشكيل الاقاليم بعد 18 شهرا. وسيسمح هذا القانون بعد طرحه للتصويت في استفتاء شعبي لسكان المحافظات بتشكيل اقليم من عدد من المحافظات.
ويحظى القانون بتأييد قوي من أطراف انفصالية كردية، كما يحظى بتأييد المجلس الاعلى لما يسمى الثورة الاسلامية في العراق بزعامة عبد العزيز الحكيم المحسوب على طهران.
ويعتبر الحكيم من اكثر الشخصيات تأييدا لإيران في العراق وتمكن المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق من اقناع سلطات المالكي بدعم القانون الذي يأمل في ان يتم من خلاله دمج ثماني محافظات شيعية او اكثر في اقليم غني بالنفط جنوب بغداد.
مخطط المحافظين الجدد لتقسيم العراق جزء من مشروع صهيو-اميركي اكثر طموحا ويهدف الى تعميم تجربة التمزيق عربيا حتى ينتهي الأمر بـ 54 دويلة على أقل تقدير. عمر نجيب