تقرير ميليس.. هل انقلب السحر على الساحر؟

بقلم: شادي جابر

بدأت أوراق لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال "الحريري" بالتساقط الواحدة تلو الأخرى بعد ظهور الشاهد السوري الرئيسي الذي اصطلح على تسميته "الملك" أو "المقنّع".. ومهما كانت خلفية هذا الشاهد ودوافعه "صادقاً كان أم كاذباً" فإن شهادته لا تساوي شيئاً في ميزان التحقيق الذي يفترض أن يعتمد على شهود موثوقين وأدلة جنائية مقبولة وأن يكون منسجماً في جميع خيوطه واستنتاجاته التي لم تسفر إلا عن الظنون والاحتمالات فأدخلت الأمور في نصابها غير الصحيح وأساءت إلى جهات قد لا يكون لها أية صلة بجريمة الاغتيال وتسببت بصدور قرار دولي من مجلس الأمن ضد سورية.
ويبدو أن إفادة الشاهد "المقنّع" التي سقطت سقوطاً مدوياً ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة.. فقد سبقتها إفادة الشاهد "محمد زهير الصديق" الذي اعتمد "ميليس" على شهادته اعتماداً أساسياً وسرد كثيراً منها في تقريره ليتبين لاحقاً أن "الصديق" المعتقل حالياً في "باريس" ليس أكثر من محتال متهرب من العدالة، كما ثبت بطلان روايته وفقاً لما ذكرته لجنة التحقيق الدولية ذاتها.. و برزت مؤشرات أخرى عن محاولة فاشلة لاستخدام شاهد سوري آخر معتقل في تركيا يدعى "لؤي السقا" ليشهد ضد مسؤول أمني سوري كبير سبق أن التقى به في ألمانيا وفقاً لما ذكر محامي "السقا".
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا بقي من التحقيق.. وما هي الورقة القادمة التي يمكن أن تسقط بعد انكشاف الكثير من المغالطات والثغرات التي قد تنسف التحقيق برمته إذا ما استمر على هذا المنوال الذي لا يرقى إلى مستوى "لجنة دولية" مشكلة من قبل مجلس الأمن الدولي.. وماذا يمكن أن يسفر عن هذا الأداء الارتجالي في التحقيق وذاك الاختراق الواضح من أشخاص قدموا أنفسهم كشهود عارفين بكل شيء.. لتنجلي الصورة فيما بعد عن حقيقة هؤلاء الشهود الذين لا بد أن يخضعوا لتحقيق موضوعي ومتوازن بعيداً عن الضغوط وأساليب الترهيب والترغيب.. بهدف كشف الأصابع التي أشارت لهم و دفعتهم إلى تقديم شهادات زور.. أو الجهات التي تقف ورائهم وتمول نشاطاتهم التي لم تحرف التحقيق عن مساره فحسب بل وترت الأوضاع غير المستقرة أصلاً في المنطقة لدرجة ما قبل الانفجار ونشرت البلبلة وأساءت إلى أشخاص ودول.
"ميليس" اليوم يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه.. فهو لم ينجح حتى الآن بإمساك الخيوط الحقيقية التي ستوصله إلى "الحقيقة" التي يبدو أنها بدأت تتحول إلى "فضيحة" نتيجة للأكاذيب والأضاليل التي تم دسها في تقريره الذي ولد قراراً دولياً كان يمكن أن يقلب أوضاع المنطقة وشعوبها رأساً على عقب فيما لو أسيء استخدامه كما أسيء استخدام قضية اغتيال الحريري.. وقد يؤدي إلى إيذاء شعب بأكمله كما حصل في العراق الذي تم غزوه استناداً إلى معلومات استخباراتية كاذبة ومفبركة.
والغريب في هذه القضية الجنائية ذات الأبعاد السياسية وربما الاقتصادية والشخصية أن التحقيق بني على افتراض إدانة سورية بعكس أي تحقيق في أي جريمة يفترض أن ينطلق من مبدأ "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".. والمفارقة هنا أنه في أي جريمة بهذا الحجم يوجد أكثر من جهة يشتبه بها القاضي أو المحقق إلا في جريمة اغتيال "الحريري" التي اتُهمت سورية بارتكابها منذ اللحظات الأولى التي تلت إعلان النبأ من خلال التصريحات العلنية لمجموعة من السياسيين والإعلاميين اللبنانيين وغير اللبنانيين حول تورط النظام الأمني السوري اللبناني في جريمة الاغتيال.
بعد كل هذه التطورات التي تثير الارتياب في آلية ومنهجية التحقيق.. من حق دمشق أن تشكك في "ميليس" وفريقه.. ومن حقها أن تطلب استبداله في حال لم يأخذ بعين الاعتبار ما ظهر للعالم عبر شاشات التلفزيون من انكشاف لحقيقة شهود رئيسيين لا يفترض أن يضللوا قاضياً مشهوداً له بكفاءته ومصداقيته أو محققاً مفوّضاً من قبل أكبر هيئة دولية.. كما أنه من حق دمشق أيضاً أن تفكر باحتمالين لا ثالث لهما: الأول إمكانية أن يكون "ميليس" نزيهاً ومحايداً و قد ضُلّل أو غُرّر به من قبل جهات تريد حرف مسار التحقيق.. وفي هذه الحالة يبرز موضوع الكفاءة.. ومن هنا كيف يمكن لقاضٍ بهذا الصيت الذائع وذلك المستوى من المهنية أن يُضلل بهذه الطريقة..؟! والثاني أن "ميليس" متواطئ بطريقة أو بأخرى مع جهات دولية أو لبنانية تريد حرف مسار التحقيق باتجاه ما لغاية ما.. وفي كلا الحالتين يحق لدمشق أن تطلب استقالة "ميليس" وفريقه أو استبداله بقاضٍ آخر أكثر "كفاءة" أو "نزاهة".
فهل انكشفت اللعبة وانقلب السحر على الساحر.. أم أنه من المبكر قول ذلك حتى يسقط "تحقيق القرون الوسطى" برمته كما وصفه وزير الخارجية السوري..؟! شادي جابر Shadi2000sa@hotmail.com