تقرير بيكر اختصر الطريق إلى جهنم!

إذا كان الهدف الحقيقي والأول لواضعي التوصيات التي تضمَّنها تقرير "لجنة بيكر ـ هاملتون" هو حل الأزمة العراقية (التي هي في المقام الأول أزمة الولايات المتحدة في العراق وفي جواره) بما يسمح للولايات المتحدة بحماية وإنقاذ مصالحها وأهدافها الاستراتيجية في العراق، وفي "الشرق الأوسط الكبير" في وجه عام، وبما يجعل العراق وشعبه متَّحِدا، آمنا، مستقرا، مزدهرا وديمقراطيا، فإنني أقول من الآن إنَّه هدف لن يتحقق، ولسوف تذهب به الأحداث والتطورات عما قريب؛ لأنَّ إدارة الرئيس بوش، المدعوة (ولو عبر توصيات غير مُلْزِمة لها من الناحية القانونية) إلى الأخذ فورا بتلك التوصيات، في وحدتها وترابطها وتكاملها، ليست في وضع يسمح لها، ولو أرادت، بترجمة "التوصيات" بحلول عملية واقعية، فهي، وهنا نرى، وتُرينا، مأزقها الاستراتيجي، السياسي والعسكري، قد تخطت نقطة اللاعودة، فلا خيار لها، بالتالي، سوى المضي قدما في النهج ذاته الذي قادها، وقادت به الولايات المتحدة، إلى هذا الإخفاق الكبير المتحوِّل سريعا إلى هزيمة كبرى.
على أنَّ هذا لا يمنعها، بل يفرض عليها، أن تُظْهِر لمعارضيها الديمقراطيين، وفي داخل الحزب الجمهوري الذي يخشى هزيمة يمنى بها في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولمواطنيها، ولكل منتقدي نهجها في العالم، أنها عازمة على تحويل كل ما تستطيع تحويله من "التوصيات" إلى حلول للأزمة العراقية، فإذا هي فشلت، وهي ستفشل حتما، استطاعت، على ما تتوهم، أن تقول، وعندما تبدأ الحملات الانتخابية على وجه الخصوص، إنَّ تقرير لجنة "بيكر ـ هاملتون" قد فشل هو أيضا، وإنَّ الديمقراطيين، بالتالي، لم ينجحوا في ما فشلت فيه الإدارة الجمهورية.
في خطابها التبريري الدفاعي، سنسمعها من الآن وصاعدا تقول إنها لم تدَّخر جهدا في صنع حل للأزمة العراقية بما يتَّفق مع "التوصيات"، أو بما يتَّفق مع الممكن واقعيا منها؛ ولكن "الممارسة" جاءت، وتجيء، بما يقيم الدليل على أنَّ "الأعداء الإقليميين"، كإيران وسوريا، ليس لهم من المصالح والأهداف (العراقية والإقليمية) إلا ما يحملهم على المضي قدما في سعيهم إلى تخريب وإفساد وتقويض كل ما بذلته إدارة الرئيس بوش من جهد من أجل ترجمة "التوصيات"، أو بعضها، بحلول عملية واقعية.
في الظاهر ليس إلا سنرى الرئيس بوش وحليفه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ينطلقان، دبلوماسيا وسياسيا، في كل الاتجاهات من أجل حل للأزمة في العراق يقوم على المزاوجة بينه وبين حلولٍ لأزمات أخرى على المستوى الإقليمي، أهمها النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. أمَّا في الباطن فالهدف الذي لن يعلوه هدف عند إدارة الرئيس بوش هو إحباط "التوصيات"، مع إظهار هذا الإحباط على أنه الثمرة المرَّة لدعوة تقرير "لجنة بيكر ـ هاملتون" إلى التصالح مع "الأعداء الإقليميين" بما يساعد في حل الأزمة العراقية، بما يفيد المصالح والأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في العراق وفي جواره، والتي بمداد الحرص عليها كُتِب "التقرير".
أمَّا الديمقراطيون، الذين ينظرون إلى سقوط نهج إدارة الرئيس بوش في العراق على أنه بداية السقوط للبيت الأبيض في قبضتهم في انتخابات الرئاسة المقبلة، فسوف يُظْهِرون الفشل المقبل والحتمي لتك الإدارة في العراق، وفي جواره، على أنه ثمرة تقصيرها عن العمل بمقتضى "التوصيات"، التي لو أُخِذ بها حقا (على ما يقولون أو على ما سوف يقولون) لسارت الأمور على خير ما يرام.
لقد جاءت "التوصيات" لتجيب عن السؤال الذي تلده دائما المآزق وهو "ما العمل؟". وأحسب أنَّ الإجابة قد جاءت بما يؤكِّد أنَّ السؤال لم يُجَبْ عنه بعد، أو بما يكفي لانتفاء الحاجة إلى الإلحاح به.
من قبل، كان السؤال "متى تنهون وجودكم العسكري في العراق؟"، وكان الجواب الدائم لإدارة الرئيس بوش هو "عندما نُنْجِز المهمة.. ليس قبل إنجازها ولو بيوم واحد؛ ولن نبقي عليه بعد إنجازها ولو يوما واحدا". وعندما يُسْألون عن ماهية تلك المهمة كانوا يجيبون قائلين: "إحراز النصر على الإرهاب.. هزيمة الإرهابيين الذي احتشدوا في العراق حتى لا نضطر إلى محاربتهم في سواحلنا ومدننا.. وتصليب عود الديمقراطية في العراق، وجعل حكومته المنتخَبة ديمقراطية قادرة على درء المخاطر الداخلية والخارجية عن أمنه واستقراره".
كان قولهم البليغ، في "خطاب النصر" الذي اسْتَجْمعوا به كل أسباب هزيمتهم، هو "عندما تنجح الحكومة العراقية، ونُنْجحها، نَخْرج". أمَّا فشلهم العراقي الكبير فجعل لهم، عبر "التوصيات"، قولا بليغا آخر هو "إذا لم تنجح الحكومة العراقية فسوف نَخْرُج"، وكأن حكومة نوري المالكي، التي يعاملونها على أنها جزء من الحل، يمكنها أن تنجح حيث فشلوا، أو في ما فشلوا. ليس في غير تاريخ ومنطق الهزائم التي تُمنى بها الإمبراطوريات نرى هذا الذي نرى.. نرى المُنْقِذ يدعو الغريق إلى إنقاذه!
لقد قصدوا فاقد الشيء، الذي عنه يبحثون، وواظبوا على اختبار ما اختبروه من قبل، وثَبُت فشله، معللين أنفسهم بوهم أنَّ المُخْتَبَر يمكن أن يعطي نتائج مختلفة إذا ما استمروا وأمعنوا في اختباره!
مالِك هذا الشيء الذي عنه يبحثون إنَّما هو ذاته الذي يتجاهلون. إنَّه المقاومة العسكرية العراقية، التي بفضل نهجهم كانت وظلَّت عربية سنية في المقام الأول، فما يشدِّد الحاجة لديهم إلى الأخذ باستراتيجية جديدة في العراق إنَّما هو تعاظم خسائر "المارينز" في صراعهم مع تلك المقاومة، التي لولا اشتداد ساعدها، وتعاظم قدرتها القتالية، لما ظهرت "لجنة بيكر ـ هاملتون"، مع تقريرها وتوصياته، ولما ظهر، واشتد، الميْل إلى التصالح مع "الأعداء الإقليميين"، ولما ظهر البرنامج النووي الإيراني على أنه تَحَدٍّ تُظْهِر الولايات المتحدة عجزا متزايدا عن مواجهته، ولما اكتشف بلير أن "الماء الفلسطينية" يمكنها إطفاء، أو المساعدة في إطفاء، النيران العراقية التي أشعلتها إدارة الرئيس بوش بيديها إذ توهمَّت أنَّ كل شيء يمكنها الحصول عليه بالحراب، وبالحراب فحسب، فانتهت إلى ما انتهت إليه وهو جلوسها على الحراب!
لقد "اختاروا"، وليس "الاضطرار" بـ "اختيار"، كما ليس في الاضطرار فضيلة، "الهروب"، على أن يبدأ في داخل العراق لينتهي، عندما يستنفدون ويختبرون ما بقي لديهم من وهم، في خارجه، فـ "المارينز" سيهربون من المصايد العراقية، أي من الموت الذي يحدق بهم في المدن والشوارع، إلى بروج مشيَّدة، في "الشمال الآمن"، وفي خارج العاصمة وغيرها من مدن الموت، فلا يبقى من القتال إلا ما يُظْهِر العراقيين على أنهم في حاجة إلى الاقتتال، وإلى مزيد من الاقتتال، الذي قد "يتأقلم"، أي يصبح إقليميا، حتى يستمر.
كانوا يقولون: "سنبقى حتى نكفي العراقيين شر الحرب الأهلية"؛ أمَّا في "خطاب الهروب" فسيقولون: "سنرحل إذا ما وقع العراقيون في حرب أو حروب أهلية.. إذا ما فشلت حكومة المالكي في أن تحكم العراق بما يقيه شر الحرب الأهلية، ويجعله آمنا مستقرا".
من قبل، قالت لهم إنَّ لكم في "الأقاليم الثلاثة" خلاصا أبديا من الديكتاتورية، وترسيخا للديمقراطية، وحماية لوحدة العراق، فأخذوا بها شمالا، ثم شرعوا يظهرون الميل إلى الأخذ بها في المناطق الشيعية، فاشتعل ما اشتعل من وقود الحرب الأهلية. وها هم الآن يقولون لهم، عبر "التوصيات"، خذوا بما يُفْرِغ "الأقاليم الثلاثة" من منطقها الذي انطوى عليه "قانون بريمر"، وكأنَّ الغاية الكامنة في قولهم الجديد هو صب مزيد من الزيت على النار بين العراقيين.
الأزمة العراقية كما تراها وتفهمها إدارة الرئيس بوش إنَّما هي تعاظم قتلى وجرحى "المارينز"؛ والحل، بالتالي، هو ترجمة توصيات "لجنة بيكر ـ هاملتون" بما يبقي "المارينز" في العراق؛ ولكن بمنأى عن ضربات رجال المقاومة العراقية، ولو أدى ذلك إلى انفجار كبير في داخل العراق، وفي خارجه، فالحرب هي الخير المطلق ما دام "المارينز" في منأى عن نيرانها وجحيمها.
إننا نخشى أن يتمخَّض أخذ إدارة الرئيس بوش بـ "التوصيات" عن عواقب كهذه؛ ولكن خشيتنا هذه تعدلها خشية أخرى هي خشيتنا أن تتوهم إدارة الرئيس بوش أنَّ نقل "المارينز" إلى بروج مشيَّدة، بدعوى "تغيير طبيعة المهمة العسكرية" لهم، سيمنع الموت من إدراكهم، وسيجعله يدرك العراقيين، وجيرانهم، فحسب!
إنَّ تقرير "لجنة بيكر ـ هاملتون" سيدخل التاريخ؛ ولكن ليس بصفة كونه جاء بنتائج عملية توافق ما استهدف، في ظاهره ونصِّه وسطوره، وإنما بصفة كونه الطريق إلى جهنم وقد اخْتُصِرَت! جواد البشيتي