تقدير الذات وتوهج القدرات الكامنة

الدعم النفسي الايجابي يعطي نتائج مذهلة

أنت لا تستطيع لمسّه، لكنّه يؤثّر على كيف تشعر، ولا تستطيع رؤيته، لكنّه هناك عندما تنظر إلى نفسك في المرآة. ولا تستطيع سماعه، لكنّه هناك كلّ مرّة تتحدّث عن نفسك. فماذا يكون هذا المهم جدا في حياتنا لكنه بهذه الدرجة من الغموض. انه أيها السادة تقدير الذات؟

وتقدير الذات تعني تقديرك لنفسك أو ذاتك وكم تساوي قيمتها بالنسبة لك. وكيف تريد ان يراك الاخرين. بمعنى كيف تنظر لذاتك وهل تتصور أنك ذو قيمة، انها بتعبير آخر تعني كيف تقيم ذاتك وكيف تشعر حيال انجازاتك.

تقدير الذات اذن لا يعني المفاخرة حول كم انت عظيم، لكنه بشكل مبسط معرفتك بأهمية ذاتك. فإذا كان تقديرك لذاتك مرتفع، فأنت تشعر بالسعاة والاطمئنان والرضى لكل من حولك، ولذا انت تستطيع تحقيق كل ما يطلب منك. اما اذا كان تقديرك لذاتك منخفض فإنك ستعاني الحزن والكآبة والصراع مع النفس والمجتمع وستنهك قواك هذه الصراعات التي قد تقودك للانطواء والفشل في أداء المهام الملقاة على كاهلك.

• اهمية تقدير الذات

تأتي كما يؤكد ابراهام ماسلو ضمن الاحتياجات الانسانية الاساسية وهي في ترتيبه الهرمي تأتي في المرحلة الثالثة أي بعد الاحتياجات الفسيلوجية والاحساس بالأمان. وماسلو يعتبرها مهمة جدا حيث إن اخذ الكفاية منها قد تسهل للفرد مزيدا من العطاء والانتاجية، وهي لذلك البوابة الرئيسية التي من خلالها يستطيع الفرد المضي قدما لتحقيق ذاته، أي المضي في طريق النجاح والتفاعل الاجتماعي بشكل إيجابي، وإشباع هذه الحاجة السيكولوجية ضروري جدا لكي يستطيع بلوغ أقصى درجات النجاح والعملية، او ما يسميها ماسلو "تحقيق الذات".

• معوقات تحقيق تقدير الذات تراكمية تبدأ من الطفولة

الاسرة والمدرسة وبيئة العمل، تعتبر عوامل مشتركة لتفعيل الطاقات الكامنة في الانسان، وبالتالي الدفع به نحو تقديره لذاته، وإما اعاقته عن تحقيق ذلك. وحيث ان مرحلة الطفولة تعتبر مهمة جدا في تأصيل هذا المفهوم لدى الطفل فإن الجهود التربوية والبحثية تؤكد ايضا ان مرحلة المراهقة لا تقل أهمية، ولذلك من المهم ان نوجد بيئة تعليمية وعملية مثالية.

فالتأكيد على دور الاسرة في تنشئة اطفالهم تنشئة صحية، وإدراك ان عدم تنشئتهم وفق مفهوم "تقدير الذات" يعني انهم يؤسسون لبناء شخصية ضعيفة وغير متفائلة وخجولة قد تفشل في تحقيق حياة مستقبلية كريمة. فمثلا الاب حينما يبدي مساعدته لطفله ويتعامل معه وفق آلية تشجيعية إيجابية تعتمد منهج الاستقلالية وفي اجواء عاطفية انسانية وعقلانية راقية، كمساعدته في إبداء رأيه دون خوف او وجل، فان مثل هذه المعاملة سوف تدعم لدى طفله تقديره لذاته، بينما الاب الذي يستمرئ التوبيخ والزجر عند ملاحظته لسلوك سلبي او حينما لا يؤدي الطفل المطلوب منه وبالشكل الذي يلبي رغبة وتطلع الاب والتي قد تكون خاطئة رغبة. هذا الاب بلا شك يعمل على تقويض نفسية الطفل ويلغي فيه تقديره لذاته.

وبالتالي فإنه ومع تكرار هذا التوبيخ، وكما يؤكد علماء االنفس، من شأنه ان يدخل الطفل في موجة صراعات مع نفسه، يشعر معها بالحزن والاحباط، وقد تتطور الى انه سيبني تصوره عن ذاته وفق المفردات التي يسمعها تتردد في محيطه ومن اقرب الناس له.

عندما يكرر الاب كلمة "غبي" لابنه عند إخفاقه في إنجاز المطلوب منه، فانه قد لا يستطيع مستقبلا القيام بعمله بإتقان، لانه اصبح لديه هاجس الفشل والاخفاق يشكل حيزا اساسيا في تكوينه النفسي والسلوكي، ولذا فان احتمالية إخفاقه في أداء المطلوب منه مرتفع جدا. لكن من حسن حظ الطفل، وبفضل تكوينه الذهني، وفق اريكسون عالم النفس الشهير، حيث يرى ان باستطاعة الطفل ان يتجاوز هذه العقد النفسية التي اكتسبها مبكرا، اذا ما تعاونت المدرسة والمحيط الاسري في دعمه وأعادت له الثقة بنفسه.

لكن السؤال: هل سيجد الطفل الذي تنشأ في بيئة غير مثالية او حتى عادية، المعلم والتربوي والاداري الذي سيتفهم نفسيته؟ لذا الفرصة قد تكون ضئيلة والاحوط ان تتولى الاسرة مهمة تنشئة ابنائهم وبناتهم بشكل ايجابي ومستوفي لشروط التنشئة المثالية التي تدعم فيهم تقدير الذات في السمات الشخصية المؤشرة على فردانيتهم.

• طفرة المعلومات والفضائيات واثرهما في بروز "الفردانية"

تعريف الفردانية: هي مجموع الصفات والخصائص التي تميز الفرد عن الاخرين، ولذا فان مصطلح تقدير الذات ودعمه لدى الفرد في مرحلة الطفولة يعد احتياجا نفسيا وضروريا لبلوغ النجاح المشروط بتوفر بيئة داعمة للفردانية.

مما لاشك فيه ان التلاقح المعلوماتي الكوني الراهن بفضل ثورة التقنية الرقمية وكذلك التوهج الفضائي لطيفا عريضا من القنوات قد ساهما في ابراز ملكات الافراد الخطابية والكتابية والروائية والشعرية والفكرية بشكل عام، ما جعل ليس فقط النخب المثقفة بل حتى متوسطي الثقافة، تبحث عن هذا التوهج وتسعى حثيثة لتلبية احتياجاتها الذاتية بدافعية فردية لدرجة التمرد في حالات معينة على القيم المجتمعية التي نشأت وتربت في كنفها فترة طويلة خاصة في بيئاتنا العربية والاسلامية.

بعض هذه السلوكيات "الفردانية" قد يعتبرها البعض سلوكا مشينا ولا يتناسب مع المنهج الديني والثقافي لمجتمعاتنا التي دأبت على المناداة بأهمية العمل المتناسق مع الثقافة والتقاليد والعادات السائدة، مثل: مهنة الفن او الرسم او الرياضة للمرأة او حتى عمل المرأة بشكل عام.

لكن الحقيقة ان هذه سلوكيات وقيم تتسم بها كل المجتمعات البشرية عبر مسيرتها التاريخية، فالثقافة والسلوك الغربي كان وإلى قبل عصر النهضة يتسم "بالجماعية"، ولم تشهد بدايات التوجه نحو "الفردانية" الا في مطلع عصر النهضة حيث كان الرسامون يدمغون لوحاتهم بتواقيعهم ما اكتشفوا ان شهرتهم تعدت حدود جغرافيتهم، وبذلك اصبح الرسام الذي كان حتى قبل هذا التاريخ يرسم من اجل ابراز الطقوس الدينية، اصبح يرسم من اجل الشهرة والمكانة الاجتماعية المتميزة والمردود المادي الجيد، أي انه اصبح يفكر بدوافع ذاتية ولم يعد لمؤازرة السلوك او الثقافة "الجمعية" الاثر الذي يجعله يكرس له جهده ويستهلك فيه طاقته.

وبذلك أصبح التوجه العام وانطلاقا من المؤسسات التعليمية يركز على قدرات الافراد، وتم لاول مرة تداول فكرة التخصص، فأنشأوا معاهد ومدارس تعني بالتخصصات في التعليم الثانوي على سبيل المثال، لاستقطاب الطلاب وفق قدراتهم وملكاتهم ما هيأ لبروز النزعة الفردانية التي اصبحت لاحقا جزءا من الثقافة العالمية السائدة.

الحقيقة اننا قد نقول وعطفا على ذلك، ما اشبه اليوم بالبارحة، لقد أصبحت النخب الدينية والثقافية والفكرية تنتهج ذات المنهجية، فأصبحت الشهرة والأضواء تحتل المكانة الاسمى لدى الكثيرين بل ان البعض من الدعاة أصبح يبحث عن مقابل مادي نظير ما يتفوه به. طبعا لا أجد ذلك مخالفا للطبيعة البشرية، انه سلوك بشري لا يمكن مقاومته، ولذلك علينا ان لا نعيش في وهم جلباب المثالية بل يجب ان نمنح الاخرين حق "التفرد" باعتباره سلوكا بشريا غريزيا، لكن ربما قد نعيب في مشائخ الدين عدم سماحهم للاخرين ممن لهم ملكات وقدرات متنوعة في الانتشار والاستمتاع بفردانيتهم والتنعم ماديا ومعنويا منها.

إن إصرار النخب الدينية المتشددة والتي لا تملك الا ملكات الخطابة على سحب السواد الاعظم من المجتمع ليبقى أداة تتحرك بتبعية عشوائية وبلا دافعية ما يجعلها أيضا تفقد قدراتها الأصيلة فيها عن طريق استبدالها بتلبس أدوار وأنشطة لا تليق بقدراتهم ما يجعلهم زائفين وغير حقيقيين، ولا يمكن أن يستمتعوا بالأعمال الموكلة لهم، ناهيك عن فاعلية انتاجيتهم.

إن من شأن منهجية كتلك لهو في رأيي انتحار جماعي. ان هكذا سلوك سيخلف متاعب جمة لطيف عريض من المجتمع، ما يهدد نموه واستقراره واستعداداته الذاتية لمواجهة متطلبات ومستجدات الحياة. فهذا متفوق في الرسم وذاك في الرياضيات وآخر في العدو وأخرى في التصميم او التمريض، وهلم جرا، فاذا لم نعاملهم ونوجههم وفق الحاحاتهم وقدراتهم الداخلية التي يجدون ذواتهم فيها، والا فاننا نصنع منهم قوى بشرية محبطة ويائسة تؤدي عملها كتأدية واجب، تفتقر الى الدافعية والرغبة العميقة في العمل ما ينعكس سلبا على إنتاجيتها وابداعها وحتى في استمراريتها بالعمل.

• الخلاصة:

إن الابحاث والدراسات في علم النفس تشير الى ان تعزيز ودعم تقدير الذات في مرحلة الطفولة مهمة جدا، لان الطفل او دماغ الطفل والانسان بشكل عام، هو عبارة عن وعاء لكل ما يدور حوله وفي بيئته، وما يحتويه هذا الوعاء هو بشكل أو آخر يشكل مجمل سلوكه الواعي، فحينما تنعت ابنك او بنتك بمفردات وأوصاف سلبية فأنت هنا تؤسس في ذهنه وفي طريقة فهمه للحياة التي لا تزال في مرحلة الاكتشاف، منهجية تفكير وتصور سوداوي خاصة اذا اصبح التنقيص والتعييب مزمنا، اي مستمرا ولفترات طويلة، وهذه بلا شك ستخلق في وجدانه صراعا خفيا قد يشل تفكيره ما يجعله لا يستمتع بطفولة وقد لا يحقق نتائج جيدة في الدراسة.

والدعم النفسي الايجابي يعطي نتائج مذهلة ومعاكسة تماما للدعم السلبي. وابراهام ماسلو يؤكد أن الفرد الذي ينشأ في بيئة صحية ويتلقى تعليما يدعم قدراته ويمنحه الدعم الايجابي، فانه سيواصل تحقيق النجاحات، وسينخرط في العملية التعليمية وبجهود حثيثة، وكذلك سينخرط في العمل أو المهنة التي سيعمل فيها مستقبلا بكل إخلاص وتفان، بشرط ان يجد البيئة الادارية والعملية التي تساعده في شق طريقه للوصول الى المكانة التي يطمح في الوصول لها والتي ستمنحه الاحساس الكافي بالأمن الوظيفي والمادي الذي يتأمله.

والحقيقة أن مصطلح "تقدير الذات"، ربما يكون افضل توصيف مكمل لمصطلح "الفردانية" فالمحيط الاسري والاجتماعي يجب ان يُراعي ويدعم الفروقات الشخصية، فالله خلق لكل انسان قدرات وملكات بهدف استثمارها لصالح الانسان ذاته وللتنمية والمجتمع بشكل عام.

والمعلمون ايضا يجب ان يدركوا حقيقة ان لكل فرد قدرات وملكات يتفوق فيها اذا ما تم اكتشافها وتطويرها، ولذا عليهم تجنب توبيخ تلاميذهم في المواد التي لا يبدعون فيها او ان درجة إجادتهم تكون متدنية، فهذه المواد حتما لا تتوافق مع قدراتهم، وبالتالي فان من الطبيعي اخفاقهم فيها، وكما قلنا لكل فرد قدراته الخاصة وتقييمنا يجب ان يتركز على هذه القدرات حتى لو كانت بسيطة مثل الرياضة، العدو، لعب كرة القدم او السلة الخ.

إن دعم اطفالنا في مرحلة الطفولة معنويا وكذلك في بيئة العمل مستقبلا، سيساهم في رفع تقديرهم لذواتهم وبالتالي الاحساس بفردانيتهم ما يجعلهم يشعرون بالسعادة والفخر في اي مهنة او عمل يؤدونه ويتوافق مع امكاناتهم وقدراتهم.

"بينما محاولة اخفاء او تغيير من نحن من اجل ارضاء فكر الاخرين الذين يحاولون التقليل من احساسنا بقيمتنا الذاتية، من شأن سلوك كهذا ان يتسبب في إحباط معنوياتنا وارتفاع نسبة عدم الاحساس بالامان" (روي اف. باوميستير).

د. سالم موسى ـ جامعة الملك خالد