تقاليد خاصة للسير في غوطة دمشق

دمشق - من طلال الكايد‏
غوطة دمشق كما تخيلها الرحالة بيتر فان درا بالقرن الثامن عشر

السيران لفظة دمشقية تعني الخروج من المنزل يوم العطلة ‏للتنزه في غوطة دمشق حيث البساتين والارض المكسوة ببساط الربيع الاخضر وبدء تزهير الاشجار بالزهر الابيض وبخاصة في شهري مارس وابريل.‏ والغوطة اسم معناه المطمئن من الارض وجمعه غيطان، والمقصود بها ما يجاور دمشق من قرى يقدر عددها في الغوطتين الشرقية والغربية بـ 42 قرية.‏
ويقوم الدمشقيون عند قدوم الربيع وازهار اشجاره البيضاء الجميلة بسيرانهم (رحلاتهم) إلى الغوطة للتمتع والترويح عن النفس كونها تشتهر باشجارها المثمرة كالمشمش واللوز والتفاح والعنب والرمان والجوز والدراق واشجارها غير المثمرة التي ‏ ‏يستفاد منها للخشب كاشجار الحور وزهور الفل والياسمين ومياهها العذبة واسراب طيورها من الحمام والبلابل والشحرور والعصافير.‏
والغوطة الان ليست كما كانت عليه قبل سنوات خلت فقد تقلصت مساحتها الخضراء وتفتت ملكيتها الزراعية نتيجة للزحف العمراني على حساب اشجارها وبساتينها لاستيعاب تزايد نمو سكان العاصمة دمشق التي يقطنها ثلث اجمالي سكان سوريا البالغ حوالي 18 مليون نسمة بسبب الهجرة اليها من كافة المحافظات وخاصة من الارياف طلبا للرزق، خاصة بعد نزوح اهالي الجولان بعد عدوان 1967.‏
ولدى سؤال احد كبار السن عن الغوطة يتأوه من حسرته ويقول ان الغوطة اليوم هي غير الغوطة ايام زمان فقد تعرضت لغزو الاسمنت على حساب بساتينها واشجارها مما حدا ‏ ‏بالدولة اصدار قرارات في الاونة الاخيرة تقنن التوسع العمراني التجاري في الغوطة.‏
ولغوطة دمشق تاريخ سياسي حيث كانت تمثل الملاذ والمأوى الرئيسي للثوار زمن الانتداب الفرنسي لصعوبة وصول القوات الفرنسية اليهم لانها كانت بمثابة الغابة الكثيفة باشجارها وخوفا من تكبدها خسائر في صفوف جنودها.‏
وللسيران الدمشقي طقوس تتمثل بالتحضير اليه قبل ثلاثة ايام حيث تقوم ربات البيوت بتحضير الماكولات الشرقية ومستلزمات السيران من المكسرات والكستناء والبرتقال واللوز الاخضر والفحم لشي اللحم والنرجيله.‏
ويشترك في كثير من الاحيان في السيران مجموعة من العائلات تربطها صلات قربى او ‏صداقة وتفترش العائلات الارض ثم تبدأ النسوة بتحضير الشاي في حين يبدأ الفتيان والفتيات بالرقص والغناء على انغام الة العود والطبلة فيما الرجال يلعبون طاولة الزهر والبعض الاخر يشعلون النار بالفحم للشواء.
ويستمر السيران عادة من الساعة العاشرة ‏ ‏وحتى التاسعة مساء ومن العائلات ما يقضي سهرته هناك.‏ اما العائلات ذات الدخل المادي الجيد والزائرة من خارج سوريا فيكون سيرانهم إلى المطاعم المنتشرة في الغوطة بشكل كبير.‏
والغوطة علاوة على أنها منتجع للعائلات في فصل الربيع فهي المورد الرئيسي ‏ ‏للمشمش من جهة الاستهلاك اليومي او لتصنيع قمر الدين والذي يعتبر شرابه من اساسيات مائدة الافطار السورية في شهر رمضان، وايضا مورد رئيسي للكثير من الخضراوات.‏
والزائر إلى الغوطة يلاحظ لدى وصوله تجمعات غفيرة من الناس على شكل حلقات من النساء والرجال ومساحات كبيرة من ارضها وقد تحولت إلى ملاعب للكرة وخاصة يوم الجمعة العطلة الرسمية وتكثر كذلك الرحلات المدرسية إلى الغوطة في فصل الربيع.‏
ويحتفل الدمشقيون في الحادي والعشرين من مارس في كل عام بعيد النيروز بالذهاب إلى الغوطة مع جميع افراد العائلة وهذا اليوم يصادف عيد الاسرة وهو عطلة رسمية.
ويلاحظ الزائر للغوطة الان بان بيوتها القديمة، التي كانت تبنى من الطين والخشب، بدأت تتلاشى وانطلقت بديلا عنها الابنية الحديثة.‏ وبعد انتهاء شهر ابريل يتحول سيران اهل دمشق من الغوطة التي يصبح مناخها حارا ‏ ‏في مايو إلى دمر والهامة والربوة ووادي يردى وسهل الزبداني وعين الفيجة التي تغذي العاصمة بمياه الشرب وهي اماكن الاصطياف. (كونا)