تقاعس العرب يؤخر اطلاق قمر اسلامي لتوحيد هلال رمضان

القاهرة - محمد ج. عرفة
الخلاف حول رمضان قصة تتكرر كل عام

بات مشروع القمر الصناعي الإسلامي، الذي يستهدف توحيد رؤية أهلة المناسك الإسلامية، وتوحيد العبادات بين كافة المسلمين في العالم في حكم الغيب، بعدما صار مهملا من غالبية الدول العربية والإسلامية، التي ترفض التبرع بمبلغ 8 ملايين دولار لإنشاء هذا القمر، أو حتى مليوني دولار فقط لبدء التعاقد مع الشركة الإيطالية التي سوف تنتجه.
وأصبح هذا المشروع الهام الذي لا يثار الحديث عنه سوى من رمضان إلى رمضان، عندما تختلف بدايات الصوم والأعياد في الدول العربية والإسلامية، ثم يعود إلى غياهب النسيان مرة أخرى، في مهب الريح، بعدما كشف المسؤولون عنه أنه مر على فكرة إنشائه قرابة سبعة أعوام، دون أن يتم جمع الأموال اللازمة لتصنيعه، بسبب تقاعس العديد من الدول للتبرع، على الرغم من تقديم بعضها مئات الملايين لضحايا إعصار أمريكا.
وقد أكدت الدكتورة ميرفت سيد عوض، مدير مركز دراسات واستشارات علوم الفضاء بجامعة القاهرة، والمشرف على مشروع القمر الصناعي الإسلامي: إن تكلفة إتمام المشروع التي تبلغ 8 ملايين دولار، لم يتوفر منها حتى الآن ما يكفي لبدء تنفيذ التعاقد مع الشركة الإيطالية، التي ستنفذ المشروع، وهو مليونا دولار.
واستنكرت الدكتورة عوض، موقف الدول العربية والإسلامية من المساهمة في مشروع القمر الصناعي الإسلامي، مؤكدة أن المبلغ المتوفر حاليا أقل من مليون دولار، وهو عبارة عن مساهمات فردية من إيران ورابطة العالم الإسلامي، وأن هناك العديد من الدول أكدت أنها ستساهم في المشروع، لكنها لم ترسل أي شيء حتى الآن!.
وقالت عوض إنه "من المقرر التعاقد مع الشركة الإيطالية عقب الانتهاء من عرض "ماكيت" القمر الإسلامي على اللجنة العليا لإدارة المشروع، والتي يرأسها الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية، وأنه إذا لم يتم توفير المبلغ المطلوب للتعاقد ستخسر الدول الإسلامية المشروع، وتحصل الشركة الإيطالية على نصف مليون دولار كتعويض".
وأشارت إلى أنه من المقرر الانتهاء من تصميم القمر الصناعي الإسلامي بعد 18 شهراً من بدء التعاقد، وأنه تم تحديد مداره، بحيث يدور حول الكرة الأرضية 14 مرة في اليوم، ويغطي جميع الدول الإسلامية على مدى اليوم، لتحقيق وحدة رؤية أهلة الشهور الهجرية بين مختلف الدول الإسلامية والعربية.
وأوضحت أنه ستتم الاستفادة منه في مجالات أخرى أيضاً، مثل رصد التلوث البيئي والنفايات الفضائية والتغير المناخي والإشعاع الشمسي وتأثيره على الزراعة، وستكون له محطتان داخل مصر، إحداهما للتحكم وأخرى للاستقبال ومحطتان في المملكة العربية السعودية والإمارات، وأي دول إسلامية تطلب إنشاء محطة أرضية ستتم الموافقة على طلبها.
وقد وجه الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق وصاحب فكرة المشروع نداء إلى جميع الدول والشعوب الإسلامية والعربية للإسراع بالمساهمة في تمويل مشروع القمر الصناعي الإسلامي لتوحيد رؤية الأهلة بين جميع الدول الإسلامية، وتحقيق الخير للعالم الإسلامي، على الرغم من تشكيك بعض علماء الفلك الآخرين مثل الدكتور مسلم شلتوت أستاذ بحوث الشمس والفضاء بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان في جدواه، واعتبار أن عمره الافتراضي خمسة أعوام فقط، مما قد يتطلب إنشاء قمر جديد كل 5 سنوات.
ويقول الشيخ واصل إن الغرض الأساسي هو توحيد عبادات المسلمين كمظهر هام على توحدهم، بدلا من الاختلاف الحاصل حاليا في كل مناسبة دينية إسلامية، وأن توحيد الشهور العربية يوحد المواسم الدينية الكبرى ويؤلف بين مشاعر المسلمين.

تفاصيل مشروع القمر الإسلامي

تعود فكرة إنشاء المشروع إلى عام 1998 وعلى يد مفتى مصر الأسبق الشيخ نصر فريد واصل، بعد أن أصبح من المعتاد تضارب مواعيد الصيام والاحتفال بالأعياد الإسلامية، فالمسلمون أصبحوا يصومون في بلد ما أو يحتفلون بالعيد بينما يفطر إخوانهم في بلد مجاور أو يفرحون بالعيد بعد البلد الأول بيوم أو يومين وربما ثلاثة.
ووصل الأمر في بعض الأحيان لخضوع مواقيت الصيام أو الإفطار لأهواء سياسية، فإذا اختلفت دولة عربية ما مع أخرى تأخذ بالرؤية الشرعية وظهر فيها الهلال، تأخذ الثانية بالحساب الفلكي في المواقيت!. أما إذا تحسنت العلاقات فيتم الأخذ بالرؤية الشرعية (الرؤية بالعين المجردة) والأخذ بالمبدأ الشرعي الذي يقول إنه إذا ظهر الهلال في دولة ما فعلى جميع الدول التي تشاركها في جزء من الليل أن تلتزم بنفس التوقيت.
وللتوفيق بين أصحاب الرؤية الشرعية لإثبات رؤية أهلة الشهور العربية، وتحديد المناسبات، وأصحاب نظرية الحساب الفلكي، قام مفتى مصر الأسبق الشيخ واصل عام 1998 باقتراح مشروع لبناء قمر صناعي إسلامي، هدفه التغلب على مشكلات رصد الهلال من فوق سطح الأرض، بسبب التلوث في الجو أو السحب وغيرها، حتى يحقق توحيد المواقف بين أنصار الرؤية الشرعية وأنصار الحساب الفلكي.
ويشرح الشيخ واصل الهدف من المشروع بقوله "إن الهدف الأساسي من هذا المشروع هو التغلب على مشكلات الرصد من فوق سطح الأرض، التي تؤدى لعدم رؤية الهلال بين دولة وأخرى، بنقلها خارج الطبقات الكثيفة الملوثة من الجو باستخدام منظار محمول على قمر صناعي، يقوم برصد الهلال حال طيرانه في سماء دول عالمنا الإسلامي، وإرسالها إلى محطات أرضية تنشأ في مختلف الدول الإسلامية لترى الصورة المأخوذة من فوق كل دولة من خلال شاشة تلفزيونية أو جهاز فاكس أو كليهما، وبذلك تتحقق رؤية شرعية مشتركة فتتوحد مواقيت مواسمنا الدينية الكبرى، مثل الصوم وعيد الفطر وغيرهما، مما يوحد مشاعر شعوبنا ويؤلف بينها".
ويضيف أن "القمر الإسلامي سينوب بذلك عن عشرات المناظير، التي يمكن أن تنشأ على امتداد عالمنا، بل ويفضلها في انخفاض التكلفة بدرجة كبيرة، فضلا عن تخلصه من قيود الرصد، التي ستعوق أيضا عمل تلك المناظير الأرضية".
ويعتقد الشيخ واصل بأن الحل هو استخدام منظار محمول على قمر صناعي يطير على ارتفاع مناسب ما بين 400 إلى 600 كيلو متر، وهو ارتفاع تتحقق به عدة مزايا مثل انعدام التلوث والنشاط الجوى تماما في هذا الارتفاع، فيصفو الأفق صفاء كاملا، وانعدام تشتت الضوء، وبذلك تبدو الأجرام السماوية مضيئة وسط ظلام منتشر، فلا تضعف إضاءة الهلال بالنسبة للأفق، وبذلك يمكن رؤية الهلال مهما كانت درجة لمعانه، والأهم من هذا الارتفاع يكون القمر مرئيا بوضوح من دائرة محيطة بالنقطة، التي تقع تحته مباشرة، ويزيد قطرها عن 2000 كيلومتر، مما يتح له رؤية كل العالم العربي والإسلامي في دوراته المتتالية.

مراحل المشروع متعثرة

وقد مرت مرحلة إخراج المشروع للعلن بمرحلتين: الأولى هي حساب التكاليف والتفاصيل الفنية، بالتعاون مع شركات وخبراء مصريين وعرب، والثانية الاتصال بالحكومات العربية والإسلامية ومراكز البحوث لعرض المشروع عليها.
وفي المرحلة الأولى جرت اتصالات مع مراكز البحوث الإسلامية والدول العربية والإسلامية، وخاطبت دار الإفتاء المصرية عشرات الدول منها السعودية وتونس والإمارات والأردن وقطر ولبنان، كما وافقت اللجنة الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية المصري على المشروع، واهتم به من السعودية بوجه خاص الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، ووافقت عليه جهات الاختصاص في المملكة، كما تم حساب عدد الدول التي تشترك مع بعضها أو مع مكة المكرمة في جزء من الليل بدراسات مسهبة عددها 56 دولة عربية وإسلامية وأجنبية.
ووافقت اللجنة الثامنة للتقويم الهجري الموحد في اجتماعها، الذي عقد في جدة على تشكيل لجنة علمية متخصصة، تتولى دراسة المشروع الخاص بالقمر الصناعي، وعهد الأمر إلى أمانة منظمة المؤتمر الإسلامي.
وفى المرحلة الثانية جرت دراسات بواسطة لجنة علمية للمشروع، ضمت خبراء مسلمين ثم اتصالات عديدة، ومكثفة مع الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجال الفضاء، منها شركات أمريكية وبريطانية وفرنسية وإيطالية، ولقي المشروع ترحيبا من تلك الشركات، وتم بالفعل تقديم عروض فنية تفصيلية متعددة، تم تعديلها بناء على المتطلبات والملاحظات التي أبدتها اللجنة العلمية للمشروع.
وطبقا للعروض المبدئية للشركات كانت تكلفة بناء هذا القمر الإسلامي الأساسية حوالي 15 مليون دولار تشمل القمر حوالي 8 مليون، والأجهزة المحملة عليه، وعملية الإطلاق والمحطة الأرضية الرئيسية، حيث سيوضع على سطح القمر منظار فلكي مزود بكاميرا حساسة مناسبة، وحاسب مزود ببرامج التشغيل، وأجهزة اتصال تستقبل التعليمات الأرضية، التي تقيمها كل دولة في المواقع التي تحددها.
وقد تم إسناد المشروع في نهاية الأمر لشركة إيطالية طلبت مليوني دولار، لبدء التعاقد وتنفيذ المشروع، بيد أنه لم يتم تدبير هذا المبلغ حتى الآن، وخبت الأضواء عن المشروع تدريجيا، وتم تجميد الحديث عنه تقريبا، وتبخرت كل الوعود بالمشاركة في بنائه، على الرغم من أن مفتى مصر اقترح فكرة تمويله من خلال اكتتاب بين الدول العربية والإسلامية!.
يذكر أن مفتى مصر الأسبق رفض فكرة فتح اكتتاب لتمويل القمر بواسطة الأفراد من البداية، لثقته أن الدول العربية والإسلامية سوف تسارع لتمويل هذا المشروع الهام الذي يوحد قلوبهم وسياساتهم.
وتقول مصادر مطلعة إنه وعلى الرغم من أهمية المشروع، باعتبار أول مشروع من نوعه يحقق وحدة رؤية أهلة الشهور الهجرية، لتوحيد المناسبات والأعياد الدينية على مستوى العالم الإسلامي، فإن استجابة الدول العربية والإسلامية كانت ضعيفة أو بطيئة، على الرغم من تسابقها لتقديم مئات الملايين من الدولارات لأمريكا ضمن تبرعات إنقاذ المتضررين من إعصار كاترينا.(قدس برس)