تفجر الخلافات بين اوروبا واميركا حول التنمية

مونتيري (المكسيك) - من هيرفيه رواش
الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر يحاول تسويق الافكار الاميركية عن التنمية

تفجرت الخلافات بين الاميركيين والاوروبيين حول مسائل تمويل التنمية في مؤتمر مونتيري (شمال)، وهي خلافات تتعلق بمساعدة الدول الفقيرة، وتتركز حول اعطاء الاولوية للاستثمار الخاص او للمساعدات الحكومية.
وابدى كل من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة حرصه على عدم بلوغ حد المواجهة المباشرة خلال هذا المؤتمر الذي تنظمه الامم المتحدة والذي سيتحول يومي الخميس والجمعة الى قمة لرؤساء دول وحكومات. لكن تعارض الآراء ظهر واضحا حتى قبل وصول الرئيس الاميركي جورج بوش وعدد من القادة الاوروبيين.
واعلن وزير الخزانة الاميركي بول اونيل ان "القسم الاكبر من التنمية الاقتصادية الحقيقية يأتي من تدفق رؤوس الاموال الى الدول من اجل اقامة شركات خاصة توجد فرص عمل جديدة ومستويات معيشية ارفع". واضاف "لن نتوصل الى تحقيق ذلك مع المساعدات".
والرسالة واضحة. فاذا كانت الولايات المتحدة قد وافقت الاسبوع الماضي على رفع مساعداتها الحكومية المتواضعة جدا في الوقت الحالي، من عشرة الى خمسة عشر مليار دولار في السنة بحلول العام 2007 وبصورة تدريجية، فينبغي ان لا نتوقع منها مبادرات جديدة في هذا المجال. وتبقى المبادرة الخاصة والشركة والتجارة ابرز اتجاهات التنمية.
وفي مداخلة له امام الصحافيين بعد دقائق من مداخلة بول اونيل، لم يحاول وزير الخارجية الاسباني جوزيب بيكيه الذي ترئس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي، ان يخفي هذه الخلافات.
وقال ان "الولايات المتحدة تزيد من التشديد على الاستثمارات الخاصة، لكن الاتحاد الاوروبي لا يتجاهلها". مضيفا مع ذلك انه "سيكون من الخطأ اثارة مواجهة بين الموقفين".
ويعتبر الاوروبيون ان للولايات المتحدة رؤية مركزة جدا على اميركا اللاتينية واسيا وبقدر اقل على افريقيا التي تضم غالبية الدول الاكثر فقرا في العالم.
واوضح المفوض الاوروبي لشؤون التنمية بول نيلسون ان "2% او 3% فقط من كافة الاستثمارات الخارجية المباشرة تذهب الى افريقيا جنوب الصحراء". وقال "ينبغي ايجاد الظروف لجعل الاستثمارات اكثر جذبا، وهنا تؤدي المساعدات الحكومية لشؤون التنمية دورا".
وتابع يقول "نعرف ما يجدر ان نفعله بالمال. ينبغي ان نعمل ما نقوم به حاليا في افغانستان، لكن علينا ايضا ان نقدم الاموال لتشجيع السلام في سريلانكا والكونغو الخارجتين ايضا من نزاع".
والتفاوت يفسر قسما كبيرا من الفارق الهائل الذي يبلغ حد الثلث بين المساعدات الحكومية التي تخصصها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي سنويا. والتصريحات الاخيرة التي ادلى بها جورج بوش والمسؤولون الاوروبيون لن تعدل هذا الفارق.
فمن المقرر ان يرفع الاتحاد الاوروبي حجم مساعداته الحكومية من 0.33% الى 0.39% من اجمالي ناتجه الداخلي بحلول العام 2006. اما واشنطن فانها برفع قيمة المساعدات من 10 الى 15 مليار دولار سنويا بحلول العام 2007 ستجعل مساهمتها قرابة 0.15% من اجمالي انتاجها الداخلي.
واعلن جوزيب بيكيه "ان الاتحاد الاوروبي هو الذي يساهم اكثر في مساعدات التنمية وهو عازم على تقديم المزيد من هذه المساعدات".
واكد وزير الخزانة الاميركي من جهته "ينبغي ان نبرهن للعالم النامي اننا نعرف ما نقوم به، وبمعرفتنا لما نقوم به لا اريد المطالبة بمزيد من الانفاق، اريد التوصل الى تحقيق نتائج من الاموال المنفقة".
ويثير اصرار الاميركيين على فرض معايير "حكومة جيدة" على الدول الفقيرة واعتماد الديموقراطية والشفافية قبل منحها اية مساعدات، قلق المنظمات غير الحكومية والوكالات المتخصصة التابعة للامم المتحدة.
وعلى الرغم من عدم التشكيك في هذه المبادئ، يعتقد الكثيرون ان الفقر المدقع لملايين الناس، وخصوصا في افريقيا، يتطلب الكرم والسخاء اكثر من التدبير والتشخيص.
وفي مقابلة نشرتها الخميس صحيفة "ريفورما" المكسيكية واورد نصها المكتب الاعلامي التابع له، اعتبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك انه "ينبغي مناقشة مديونية الدول ذات العائدات المتوسطة بشكل اكثر ابتكارا وبعد نظر".
ورأى الرئيس الفرنسي المتوقع وصوله بعد ظهر الخميس الى مونتيري (شمال) للمشاركة في القمة ان "هدف" فرنسا من هذا المؤتمر هو "التوصل الى شراكة تضمن لدول الجنوب التي تنتهج سياسات جيدة الحصول على دعم قوي ومتواصل من دول الشمال".
من جهة اخرى تعرضت الولايات المتحدة الاربعاء لانتقادات تاخذ على واشنطن عدم قيامها بما يكفي من اجل الدول النامية وذلك عشية مغادرة الرئيس جورج بوش هو الاخر الى مونتيري لحضور القمة.
واكدت مستشارة الرئيس بوش لشؤون الامن القومي كوندوليزا رايس "ان المسالة تتعلق بمناقشة خاطئة"، مضيفة ان "اي مساعدة للتنمية في العالم لن تحل البتة محل ما تقوم به الولايات المتحدة بصفتها رائدة الحرية التجارية في العالم".
وقالت المسؤولة الاميركية "اني ادعو الدول التي تتحدث عن السخاء وتقديم المساعدات لشؤون التنمية ان ترى ما اذا كانت اسواقها مفتوحة امام الدول النامية بقدر ما هي عليه السوق الاميركية".
وسيعلن الرئيس بوش في مونتيري ان الولايات المتحدة سترفع مساعداتها الحكومية لشؤون التنمية بحلول 2005-2006 من عشرة الى خمسة عشر مليار دولار عن طريق منح هذه الزيادة بالدرجة الاولى الى الدول الفقيرة التي باشرت طريق الاصلاحات الاقتصادية والديموقراطية.