تفاهم تام في المواقف من القضايا الإقليمية بين المغرب والأردن

رؤية بعيدة النظر

عمان ـ أنهى العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الخميس زيارة إلى المملكة المغربية التقى خلالها العاهل المغربي الملك محمد السادس، ورئيس الحكومة المغربية عبدالاله ابن كيران، ورئيس مجلس النواب المغربي رشيد العلمي.

وصدر في ختام مباحثات الملك محمد السادس والملك عبدالله بيان مغربي أردني مشترك، أكد أن زيارة العاهل الأردني إلى المغرب "تأتي تجسيدا لروابط الأخوة التاريخية المتينة بين البلدين، وترسيخا لنهج التشاور والتنسيق المستمر بينهما حيال الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية التكاملية، والموقف من مختلف القضايا الإقليمية والدولية".

وأكد البيان أن الملك محمد السادس والملك عبدالله أجريا بالقصر الملكي في الدار البيضاء، محادثات، تطرقا فيها إلى القضايا الأساسية التي تهم البلدين، وسبل تعزيز علاقاتهما والارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية التكاملية، في مختلف أبعادها.

وفي هذا الصدد، وجه العاهلان المغربي والأردني حكومتي البلدين من أجل الشروع في إعداد برامج التعاون الثنائي لإقرارها خلال الدورة الخامسة للجنة العليا المشتركة، المزمع عقدها في المغرب، برئاسة رئيسي حكومتي البلدين، في غضون السنة الجارية.

وقال إدريس لكريني أستاذ العلوم السياسية بجامعة مراكش إن الزيارة جاءت لتدعم العلاقات المتينة التاريخية بين البلدين، والتي ظلت متناغمة طيلة عقود خلت إزاء القضايا الإقليمية والدولية.

وأشار لكريني إلى أن المغرب والأردن يتقاسمان الكثير من المكتسبات السياسية التي تظل إلى حد ما مشرقة في المنطقة، حيث عبر البلدان معا أجواء الحراك العرب بأقل الخسائر، من خلال اعتماد حزمة من الإصلاحات الدستورية، ووجود قدر من المرونة في التعاطي مع الإشكالات المطروحة.

وجدد الملك عبدالله الثاني موقف الأردن الداعم للوحدة الترابية للمملكة المغربية، مشددا على أن المقترح المغربي للحكم الذاتي لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية هو الأساس لأي حل تفاوضي بين جميع الأطراف المعنية، مشيدا بمسيرة الإصلاحات التي يقودها الملك محمد السادس والتي مكنت المغرب من تحقيق منجزات سياسية وتنموية كبرى.

من جهته، أثنى الملك محمد السادس على الخطوات التي يتخذها الملك عبدالله الثاني في مساعيه لتعزيز التقدم والازدهار للشعب الأردني وتعزيز مؤسساته السياسية، مجددا تضامن المغرب ودعمه التام للمملكة الأردنية الهاشمية.

وبخصوص علاقة المغرب والأردن مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عبر الملك محمد السادس والملك عبدالله عن ارتياحهما لما تم تحقيقه من أوجه التعاون التنموي مع دول المجلس، مجددَينِ مواقف بلديهما المساندة لكل ما من شأنه تعزيز أمن واستقرار دول الخليج العربي، وعزمهما على مواصلة إرساء شراكة استراتيجية نموذجية وتكاملية مع مجلس التعاون الخليجي وإعطائها مضمونا واسعا وشاملا في جميع المجالات، وبما يستجيب لطموحات وتطلعات مجتمعات البلدان الثمانية.

وفي إطار مباحثاتهما الموسعة والشاملة، تناولا أهم الموضوعات المطروحة على الساحة العربية والإسلامية والدولية، وسجلا بارتياح تطابق وجهات نظرهما بشأنها، مؤكدَين أهمية مواصلة التنسيق والتشاور، بما يضمن تحقيق المصالح المشتركة للبلدين ويخدم الأمتين العربية والإسلامية.

وفي هذا السياق، أكد ملك المغرب وملك الاردن على الأهمية القصوى التي يوليانها لتكثيف مساعي المجتمع الدولي لمكافحة الفكر المتطرف والإرهاب أينما وجد ومهما كانت دوافعه وأشكاله، وذلك وفق مقاربة شمولية تُدمج الأبعاد الأمنية والتنموية والدينية، وشدد صاحبا ال على أهمية العمل على تعزيز التضامن ووحدة الصف العربي، في ظل التحديات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، للتصدي لهذه الآفة الخطيرة التي تهدد أمن دول المنطقة العربية والقارة الإفريقية والعالم.

كما أكدا وجوب العمل على تجفيف منابع الإرهاب، وحث العلماء والمفكرين والمثقفين للنهوض بدورهم ومسؤولياتهم للخروج بخطاب ديني وإعلامي، فكري وتنويري، يستند إلى التعاليم الصحيحة للإسلام، وجوهره الحقيقي وسماحته، ويرسخ مبادئ الاعتدال والانفتاح والتسامح والحوار، على اعتبار أن ذلك من أفضل السبل للتصدي لتشويه صورة الإسلام والدفاع عن مبادئه وقيمه الإنسانية النبيلة.

وقال وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام والاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني الخميس إن زيارة العاهل الأردني للمغرب مثلت "فرصة هامة للزعيمين الكبيرين" الملك عبد الله الثاني والملك محمد السادس "للتشاور وتبادل الرأي حول القضايا المختلفة".

وأوضح المومني أن هذه الزيارة تكتسي أهمية كبرى أيضا انطلاقا من كون المغرب يرأس لجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي والوصاية الهاشمية على الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس، مضيفا أن الزيارة تشكل بالتالي "فرصة مهمة لتبادل الرأي حول أوضاع الأماكن المقدسة والحفاظ عليها بالنيابة عن الأمة العربية والإسلامية".

ودعا الملك محمد السادس والملك عبدالله المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لإيجاد تسوية شاملة وعادلة على أساس مبادرة السلام العربية وحل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، وذلك لتمكين الشعب الفلسطيني من جميع حقوقه غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعلى حدود الرابع من يونيو/حزيران لعام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مؤكدَين دعمهما للقيادة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس، ودعوتهما إلى تعزيز الإطار التفاوضي الفلسطيني-الإسرائيلي بما يسمحُ بالدفع به إلى إقرار الترتيبات العملية للحل العادل وفق جدول زمني واضح.

وتأكيدا لما تحظى به مدينة القدس الشرقية من رعاية خاصة من لدنهما، انطلاقا من رئاسة صاحب ال الملك محمد السادس للجنة القدس، التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، والوصاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف التي يتولاها الملك عبدالله الثاني، فقد أعرب العاهلان عن إدانة بلديهما لسياسة فرض الأمر الواقع التي تعتمدها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس وجميع ممارساتها غير القانونية التي تسعى إلى تهويد المدينة المقدسة وتغيير وضعها القانوني وطابعها الحضاري وتركيبتها الديمغرافية، بالتضييق على سكانها الفلسطينيين من خلال سحب هوياتهم وهدم منازلهم، إلى جانب مواصلة الاستيطان ومصادرة الأراضي وبناء الجدار لتطويق القدس الشريف وعزله عن محيطه الفلسطيني.

وجددا عزمهما الراسخ على مواصلة الدفاع عن المدينة المقدسة، بما في ذلك انخراط بلديهما في كل ما من شأنه مساعدة الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، على التوصل إلى اتفاق شامل وعادل بخصوص القضية الفلسطينية والقدس الشريف.

وقال المومني إن تواجد البلدين على الساحة الدولية ودبلوماسيتهما الفاعلة، "أمر في غاية الأهمية" للمنطقة العربية، موضحا أن "التنسيق والعمل الدؤوب والمكثف أمر يصب في مصلحة البلدين الشقيقين".

وبشأن تطورات الأزمة في سوريا، أكد العاهلان المغربي والأردني أن الحل يبقى رهينا بتمكين الشعب السوري من قيادة مرحلة الانتقال السياسي وفق ضوابط بيان مؤتمر جنيف الأول، والتي تقضي بتشكيل هيئة حكم انتقالية بكامل الصلاحيات، تحافظ على مؤسسات الدولة السورية ووحدة أراضيها، وتخرج الشعب السوري من دوامة العنف والإرهاب المفروضين عليه، وتحقق طموحاته في الحرية والتنمية.

وفي هذا الصدد، نوه الملك محمد السادس بالمجهود الكبير الذي تقوم به المملكة الأردنية الهاشمية في استضافة اللاجئين السوريين، داعيا إلى تكثيف الدعم لها لمواصلة هذا الواجب الإنساني تجاه الأشقاء السوريين، معربا عن امتنان المغرب للأردن الشقيق على كل التسهيلات التي يقدمها من أجل تيسير عمل المستشفى الميداني الذي أقامته القوات المسلحة الملكية المغربية في مخيم الزعتري في الأردن لتقديم المساعدات الطبية للمواطنين السوريين هناك.

وبالنسبة للعراق، أكد العاهلان دعمهما للجهود التي تبذلها الحكومة العراقية الحالية في التصدي للمجموعات الإرهابية التي تستهدف أمن وسلامة العراق والمنطقة برمتها، مُعربَين عن تطلعهما إلى استكمال بناء مؤسسات الدولة العراقية الحديثة على أسس المواطنة والحق والقانون، الكفيلة بإشراك جميع مكونات الشعب العراقي، وحرصهما على مواكبة المسيرة التنموية للعراق في إطار محيطه العربي.

وبخصوص الوضع في ليبيا، أشاد العاهل الأردني باحتضان المغرب لجولة الحوار التي انطلقت الأسبوع الماضي في ضواحي مدينة الرباط، برعاية مبعوث الأمم المتحدة، بين الفرقاء الليبيين، ودعا القائدان هؤلاء الفرقاء إلى استغلال الفرصة التي تتيحها جولات الحوار الليبي الشامل بالمغرب من أجل إيجاد حل سياسي يسمحُ ببناء مؤسسات الدولة الليبية، مع الحفاظ على وحدة البلاد، ووضع حد لأعمال العنف والقتل وتمكين الشعب الليبي من حقه في الاستقرار والتنمية.

وعبر ملكا المغرب والأردن عن قلقهما البالغ إزاء التطورات السياسية والأمنية الخطيرة التي يشهدها اليمن والتي تنذر بنسف العملية السياسية التي انبثقت عن المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية والحوار الوطني اليمني الشامل ومساعي المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن جمال بنعمر، ودعيا الفرقاء اليمنيين للعودة إلى المصالحة الوطنية والتمسك بالشرعية وبمخرجات الحوار الوطني الشامل، حفاظا على أمن واستقرار اليمن الشقيق ووحدته الترابية، وتيسيرا لإطلاق خطة عمل يمنية للتنمية المستدامة بدعم من المجتمع الدولي.

وقال المومني "نحن نشعر أن هناك خصوصية لعلاقاتنا بالمغرب الشقيق بالنظر للتشابه السياسي، إذ هناك الكثير من المظاهر السياسية المتشابهة بين البلدين منها التعددية السياسية ونظام البرلمانين"، مضيفا أن التقارير الدولية نفسها تشير دائما إلى التقارب بين المغرب والأردن، وخاصة في ملفات الحريات والديمقراطية وغيرها.

ووصل الملك عبدالله الثلاثاء إلى مدينة الدار البيضاء قادما من أوروبا في زيارة عمل رسمية إلى المغرب بدعوة من الملك محمد السادس، واستمرت ثلاثة أيام.

والتقى الملك عبدالله الثاني خلال زيارته التي رافقته فيها الملكة رانيا، رئيس الحكومة المغربية عبدالاله ابن كيران، ورئيس مجلس النواب المغربي رشيد العلمي، في لقاءين منفصلين، جرى خلالهما استعراض آفاق العلاقات الثنائية ودعمها وتعزيزها في شتى الميادين. وخاصة الاقتصادية.

وهذه هي الزيارة الرابعة التي يقوم بها عبدالله الثاني للمغرب، فيما زار محمد السادس الأردن مع نهاية 2012.

ويرتبط المغرب بالأردن في الجانب الاقتصادي باتفاق للتبادل الحر وقع منذ أعوام، لكن حجم هذا التبادل يبقى متواضعا ولم يتجاوز 40 مليون يورو في 2014.