تفاهمات إقليمية على إبقاء النار السورية تحت الرماد في لبنان

توافق على إبقاء لبنان خارج الحرائق، ما أمكن

بيروت - استهدف تفجير انتحاري مزدوج في مدينة طرابلس الساحلية بشمال لبنان إثارة جولة جديدة من النزاع الأهلي في بلد غالبا ما تهدد استقراره التوترات الناجمة عن الحرب في سوريا المجاورة.

لكن يبدو أن الدولة اللبنانية الهشة خرجت أكثر قوة من الهجوم الذي شنه مسلحون متشددون سنة على المنطقة التي تقطنها أغلبية علوية وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص. وساهمت أيضا محادثات سياسية جديدة باحتواء التوترات الطائفية.

وجاء رد الدولة على التفجير بعملية أمنية أعادت فرض هيبتها على سجن يضم سجناء إسلاميين وسلط ذلك الضوء على وجود أرضية مشتركة بين اللبنانيين الذين يقفون على طرفي نقيض من النزاع الإقليمي الأوسع الذي تغذيه الصراعات الطائفية.

وتأثر لبنان الذي يقطنه مزيج من الطوائف بهذا الصراع الإقليمي بعدد من التفجيرات الانتحارية والمواجهات الدموية بين الجيش والجماعات المسلحة.

لكن يبدو أن المشاكل تلوح في الأفق مع اكتشاف سيارة تحمل 120 كيلوغراما من المواد المتفجرة الخميس قرب الحدود السورية.

ولا يزال قادة الفصائل المسلحة اللبنانية المتشددة فارين من العدالة وسط أرض خصبة للتجنيد من السنة الساخطين وفي المخيمات الفلسطينية فضلا عن معين لا ينضب يتمثل في أكثر من مليون لاجئ سوري.

غير أن السياسيين اللبنانيين يرون نتيجة هجوم طرابلس برهانا إضافيا على أن بلدهم سيستمر بتدبر أموره تحت سقف التفاهمات الإقليمية التي جعلته بمنأى عن الصراع المستعر في سوريا والعراق.

وأطلق الطرفان الأكثر قدرة على احتواء التوترات الطائفية في لبنان وهما تيار المستقبل وزعيمه السني سعد الحريري وحزب الله الشيعي حوارا سياسيا هذا الشهر يدخل في إطار جهود أوسع نطاقا للحفاظ على الوضع الحالي في لبنان.

إبقاء التوترات تحت السيطرة

وما كان لهذا الحوار وهو الأول بين السنة والشيعة منذ الأزمة السورية ليستمر من دون مباركة الراعيتين الإقليميتين إيران والسعودية.

ويبدو أن الدولتين التي أشعلت خصومتهما نزاعا طائفيا في المنطقة تتفقان على الحاجة لاحتواء انعدام الاستقرار في لبنان الذي عانى من حرب أهلية أشعلتها الطائفية بين 1975 و1990.

ويعود إلى هذا الحوار الفضل في احتواء التوترات الناجمة عن التفجير الانتحاري المزدوج الذي وقع في 10 يناير/كانون الثاني بمنطقة جبل محسن التي تسكنها أغلبية علوية تتعاطف بشكل عام مع حزب الله والحكومة السورية.

وقال سمير الجسر النائب عن تيار المستقبل وأحد المشاركين في الحوار لوكالة رويترز للأنباء "لو كنا في أجواء توتر كانت الأمور بالتأكيد ستخضع لردات فعل مختلفة."

وفي اعقاب الهجوم دعا حزب الله إلى ضبط النفس في حين أدانت عائلتا منفذي الهجوم عملهما وقالتا إنهما لن تتقبلا العزاء فيهما.

وبعد يومين اقتحمت أجهزة الأمن سجن رومية المركزي لتنفيذ عملية أمنية خطط لها منذ أمد بعيد وما كانت لتحدث دون الضوء الأخضر من الطرفين السياسيين الخصمين بعد هجوم طرابلس.

وقال وزير الداخلية نهاد المشنوق -وهو يمثل تيار المستقبل في الحكومة- إن النزلاء الإسلاميين كانوا على صلة بهجوم طرابلس.

وأضاف المشنوق "الحوار هو خيار استراتيجي وهو يدعم سلامة لبنان واللبنانيين ويفتح الطريق أمام كل الإجراءات الأمنية والسياسية التي تساعد على الاستقرار."

وخلف أبواب السجن كان السجناء الإسلاميون يسيطرون على مبنى في السجن بالكامل ويملكون الهواتف المحمولة وأجهزة توفر لهم الإنترنت داخل زنزاناتهم مما أتاح لهم الاتصال بالمسلحين المتشددين في الخارج.

محاط بالحروب والحرائق

وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري العملية الأمنية بأنها "إحدى تداعيات الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله وثبتت أن هناك دولة فعلاً."

كما أثنى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على جهود الحريري لإجراء الحوار. ومع استمرار الدعم السعودي يحافظ رئيس الوزراء اللبناني السابق على صوت مسموع بين السنة على الرغم من أنه زار البلاد مرة واحدة فقط منذ اطاح حزب الله وحلفاؤه بحكومته عام 2011.

ويأمل الحريري أن يمهد الحوار الطريق للتوصل إلى اتفاق على رئيس جديد للبلاد وهو منصب يتولاه مسيحي وفق الدستور وشغر بانتهاء ولاية ميشال سليمان في مايو/أيار الماضي.

ويتوقع أن يجري رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس التيار الوطني الحر ميشال عون -وهما الخصمان المسيحيان الرئيسيان- محادثات خاصة تتمحور حول الرئاسة.

لكن يعتقد على نطاق واسع أن الاتفاق الذي سيؤدي إلى شغل منصب الرئيس يجب أن يتم من خلال قوى خارجية.

وفي الوقت الحالي يتركز الحوار السني الشيعي على إدارة التوترات مع تصاعد التهديد بالمزيد من التشدد السني.

ويشير المتشددون المرتبطون بالقاعدة إلى دور حزب الله الذي يقاتل مع القوات الحكومية في سوريا باعتباره دافعا لشن الهجمات. ويقول منتقدون لحزب الله إنه أثار أعمال العنف هذه. لكن حزب الله يقول إنه يقاتل في سوريا لحماية لبنان من الجهاديين.

في حين لا يزال كبار قادة الفصائل السنية المتشددة فارين من العدالة ويعتقد أنهم يختبئون في المخيمات الفلسطينية بعيدا عن الأجهزة الأمنية يستمر التهديد الذي يمثله المسلحون المرتبطون بتنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة عند الحدود الشرقية مع سوريا.

وأسرت هذه الجماعات المتشددة نحو 24 فردا من قوات الأمن والجيش بعد هجوم على بلدة عرسال الحدودية في أغسطس/آب الماضي في أخطر امتداد للحرب السورية إلى لبنان منذ بدايتها.

وعن الوضع في لبنان قال كاتب المقال في صحيفة النهار اليومية راجح الخوري "رغم أن ما حصل في سجن رومية أعاد شيئا من هيبة الدولة إلا أن الوضع في البلد ما زال هشا فنحن نتأثر في كل شيء يحصل من حولنا."

وأضاف "الخطر ما زال موجودا لأن لبنان وسط بؤرة من الحرائق والحروب التي تستعر من حوله وبطبيعة الحال فإن أي اشتباك إقليمي سينعكس سلبا على لبنان."