تفاهمات أوسلو وتفاهمات سويسرا

بقلم: نضال حمد

كلاجئ فلسطيني، مثلي في الحياة مثل كل اللاجئين الفلسطينيين من أبناء فلسطين المحتلة عام 1948، أعلن عجبي وغضبي مما يسمى تفاهمات سويسرا، التي جرت بين بعض الوزراء والساسة من أركان السلطة الفلسطينية مع بعض حمامات السلام الإسرائيلية. وقبل أي شيء أذكر بأنني مع مبدأ الحوار والسلام من أجل حياة ومستقبل أفضل لكل شعوب المنطقة. وهذا كان تفكيري ورأيي منذ أصبح السلام واقعا، وشجعني على ذلك انخراطي في العمل النقابي والتضامني في المنظمة النرويجية الموحدة التي تعمل من أجل فلسطين وحقوق شعب فلسطين.
لكن ما نتج عن أوسلو فلسطينيا يجعل الكفر بسلطتها واجبا وطنيا وأخلاقيا،لأن هذه السلطة لم تنجب سوى الفساد والهزيمة والكوارث. لذا فليس بمقدور أي عاقل أن يقبل بأن تبقى نفس الوجوه الفلسطينية التي فشلت في امتحانات أوسلو وأخواتها من التفاهمات والاتفاقيات، تقود السلطة وتشكل حكومات جديدة وتعين وزراء عليهم شكوك وملاحظات تمس صدقهم ونزاهتهم وحتى طبيعة عملهم قبل وبعد اوسلو. لا يمكن القبول بالمهيمنين على المنظمة والذين يريدونها معطلة ومشلولة ومغيبة، ولا بالذين تسببوا بخراب البيت الفلسطيني من الداخل والخارج، فهؤلاء لن يستطيعوا إدارة الصراع و الحوار والمفاوضات حول مصير القضية والشعب والوطن.
السلام لا يكون عبر مجموعة من أصحاب المواهب السلمية أو الخبرات الناقصة، على الأقل فيما يخص الوفد الفلسطيني بقيادة بعض نجوم أوسلو الذين لفظتهم حتى أحزابهم ومنظماتهم. وهذه المجموعة من السلطة الفلسطينية لا تمثل سوى نفسها، كما ان نفس السلطة بدورها لا تمثل الشعب الفلسطيني كله، وبالأخص اللاجئين منهم، لأنها عندما ولدت نتيجة اتفاقيات أوسلو كانت بمثابة لجنة مثل كل اللجان، أنيط بها قيادة العمل في أوضاع ما بعد العودة للمناطق الممنوحة للسلطة بفضل سلام الشجعان، وهي بطبيعتها وحسب الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية تتبع لقيادة المنظمة، وتحاسب وتقاد من قبل مؤسساتها القانونية، لأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
لكن بفضل غياب المحاسب وتغييب الشعب والاستيلاء على المنظمة وكذلك بفضل سياسة الاحتيال والالتفاف على الشعب والمؤسسات الوطنية والقانونية من قبل بعض قادة المرحلة، صارت السلطة عمليا مسئولة عن المنظمة، مع أن هذا عمل غير قانوني. كما تم تحويل المنظمة لمجرد تمثال أو صنم يستدعى على عربة نقالة للمعاقين، ثم تتم عمليات اتخاذ القرار من قبل لجنة تنفيذية مضى على وجودها وشخوصها أزمنة وسنين، فهل يحق لهذه اللجنة التنفيذية العبث بمصر شعب فلسطين؟
هل لازالت هذه اللجنة شرعية وقانونية، مثلها مثل مؤسسات السلطة الفلسطينية التشريعية والقيادية؟
نعتقد أنها انتهت وفقدت صلاحياتها نتيجة عجزها وبفعل تقادمها.
أما المجلس التشريعي الذي يضم في عضويته بعضا من الذين تفاهموا على حقوق اللاجئين مع مغتصبيها من يسار ويمين ووسط الصهيونية في إسرائيل.
تفاهمات سويسرا مردودة على أصحابها، ونعتقد أنها عبرة للاجئين الفلسطينيين وبادرة وخطوة في الطريق نحو التسريع في تحقيق مطلب حسم المرجعية بالنسبة للاجئين، وهي تسرع في عملية عقد وأنشاء مؤتمر شعبي عام يتحدث باسم اللاجئين الفلسطينيين ويكون الناطق باسمهم والمعبر عن حقوقهم، ويمنع أيا كان من خارجه عن التحدث باسم قضيتهم. لأن حق العودة حق كل فلسطيني لاجئ ولا يحق لأركان السلطة المساومة عليه والمتاجرة به من أجل نجومية أضافية.
ولأن أركان السلطة يمثلون أنفسهم ونهج سلطتهم فقط لا غير، ولا يتمتعون بأغلبية ولا حتى بأقلية نسبية في الشارع الفلسطيني تؤيد سياساتهم وتفاهماتهم، كما يدعي الوزير عبد ربه، حيث قال "إنه حظي بتشجيع كبير من الشارع الفلسطيني في أعقاب التقرير الذي نشره الموقع، لقد أدرك الناس ماذا سنفعل وأدركوا أهمية الخطوة التي قد تخلق وضعـًا جديدًا"، كان يعني نشر خبر تفاهماته مع أمثاله.
من هنا نقول أنه ليس من حقه لا هو ولا غيره، وكذلك لا يحق لهؤلاء أن يتفقوا أو يقرروا مع الجانب الإسرائيلي أي شيء يخص مستقبل اللاجئين الفلسطينيين والحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، لأن المنظمة هي المخولة بذلك، وبما أن المنظمة مشلولة ومغيبة، وبما أن السلطة لم تعد قائمة وأصبحت مفككة ومشلولة بفعل الاحتلال المباشر لفلسطين، فأنه أصبح من الضروري عقد مؤتمر فلسطيني شامل يحدد مرجعيته وسياسته وموقفه من المنظمة والسلطة وما بينهما.
هل يحق للذين يوقعون تفاهمات مشبوهة، ويهاجمون الانتفاضة ومقاومة شعب فلسطين وينعتونهما بالإرهاب، وهل يحق لكل الذين شاركوا في التفاهمات، التحدث باسم اللاجئين الفلسطينيين؟ بالطبع الجواب لا، لأن هؤلاء لا يمثلون سوى أنفسهم ونهجهم السياسي السيئ نظريا وعمليا، وهؤلاء هم الذين أوصلوا القضية الفلسطينية للحضيض من خلال نهج سلام أوسلو وأخواتها، وهؤلاء هم رموز الفساد والهزيمة والاستسلام في الساحة الفلسطينية، لذا لا هم ولا الذين وضعوهم وزراء أو قادة في السلطة وفي المنظمة المغتصبة، يستطيعون التخلي عن حق العودة باسم شعب فلسطين، لأنهم لا يمثلون هذا الشعب ولا طموحاته الوطنية المشروعة، وهؤلاء قادة مصادفة لعبت الصدفة دورها في وصولهم لهذه المراكز.
لقد كانوا سببا بكل الكوارث التي عصفت بشعب فلسطين منذ توقيع تفاهمات إعلان المبادئ في أوسلو وحتى تفاهمات سويسرا حاليا. ثم أن شعب فلسطين لازال يدفع حتى الآن ثمن سياساتهم الخاطئة، ونهجهم التفاوضي العقيم، حيث فشلوا بشكل كبير في تحقيق أي إنجاز وطني منذ انطلاق عملية سلام الشجعان السرية في أوسلو.
ألم تكن تلك المفاوضات تدور من وراء ظهر الشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية والقانونية في مزارع وفنادق العاصمة النرويجية أوسلو؟
هؤلاء ألحقوا أشد الضرر بالمصالح الوطنية الفلسطينية ولازالوا يتباهون بما يسمونه إنجازات.
لذا على الشعب الفلسطيني التصدي لهم ووقفهم عند حدهم، لأن حق العودة ملك شخصي لكل فلسطيني وذريته، ولا يحق لأحد من هؤلاء أن يتفاوض على هذا الحق، ولا نقول أن يتنازل عنه، فالتنازل عنه من المحرمات التي تقود من يلعب بنارها للمحرقة.
الشعب الفلسطيني لايزال ملتزم بحقه في العودة ورفضه للتفريط بهذا الحق، ويرفض كذلك الدعوات التي يطلقها بين حين وآخر سري نسيبة و يعالون وبعض المروجين لهم مثل الشقاقي و استطلاعات الرأي التي يخرج بها كلما طلبوا منه ذلك، ليكون مكملا لنهج الهزيمة والتيئيس المذكور.
يمكن أن نختصر تفاهمات أوسلو بجملتين لكل من أبراهام بورغ ونحاما رونين التي قالت لمحمد حوراني عضو المجلس التشريعي الفلسطيني أثناء الحوار على التخلي عن حق العودة:
"لن يوافق الإسرائيليون على التنازل عن غفعات زئيف"، وهز حوراني رأسه موافقا.
أما أبراهام بورغ فكان أكثرهم وضوحا عندما قال للوفد الفلسطيني:
"ليس بإمكاني التنازل أكثر مما فعلت. لقد ضحيت بالماضي لصالح المستقبل، لن اقبل اتفاقا يتضمن حق العودة".
طبعا الفلسطينيون الذين يوافقون على التنازل عن حق العودة، ويضحون بحقوق شعب كامل يستطيعون تفهم كلام الجانب الإسرائيلي، لذا تنازلوا عن طرح موضوع حق العودة مجددا. لكن نفس هؤلاء لا يتفهمون حاجات شعبهم وحقوقه،لذا يقوموا بعملهم المشين.
وأخيرا نسأل: هل شعب فلسطين بحاجة لهكذا مفاوضين؟ نضال حمد - اوسلو