تفاقم الانتحار في مصر: أبحث عن الفقر!

القاهرة- من محمد الحمامصي
هوان نفس المصري عليه

ارتبط الانتحار في مصر حتى أواخر القرن العشرين تقريبا بالحالة النفسية والعصبية للمنتحر، فحالة التدين المصري حتى وإن كانت شكلية في كثير من الأوقات، كانت تقف حائلا ضد ارتكاب جريمة إزهاق الروح حتى في أقسى الظروف، لكن ما أن أطل القرن الحادي والعشرين حتى طفحت على سطح المجتمع المصري العديد من الظواهر التي ارتبطت ببعضها ارتباطا وثيقا، فارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتفشي الفساد والمحسوبية وسيطرة نفوذ المال والجاه، كل ذلك وغيره رفع من معدلات الانتحار الذي لم يقتصر على فئة عمرية أو طبقة اجتماعية أو مستوى تعليمي دون أخر.
إن حادثة السائق الذي قتل 6 وأصاب مثلهم، ليست بعيدة عن ذلك الشاب الذي ألقى بنفسه في النيل أو ذلك الذي أقام مشنقة في غرفته وشنق نفسه، وتلك الأم التي قتلت طفليها ثم قتلت نفسها، قد تختلف المبررات، لكن العملية أسبابها ومؤشراتها ونتائجها واحدة، الجميع يعلن العصيان، ويقرر المواجهة والتحدي والمقاومة لتردي الأوضاع كافة في مصر بعض النظر عن الثمن الموت.
رأت د.عزة عزت أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة المنوفية أن تجاهل انتحار الشباب في مصر وما يمكن أن يشكله من ظاهرة بمثابة الآفة، وقالت "آفة نمارسها كفئران المتاهة الذين لا يتعلمون من التجربة والخطأ، فدائما ما نصمت أو نتجاهل عامدين أي حادث مهما كان مدوياً، ونطمئن أنفسنا بأنه مجرد حادث عارض، وحتى لو تكرر نقول أنها حوادث فردية لا تمثل ظاهرة، وغالبا لا ننتبه للعواقب إلا بعد أن تتفاقم الأمور وتطال الأخضر واليابس، وتصبح بالفعل ظاهرة تصدمنا كأفراد، وتصيب المجتمع الغافي في مقتل".
وأوضحت أن الأخبار المتكررة عن انتحار شباب في عمر الزهور، لأسباب غاية في الغرابة، ولا تتوأم بحال مع طبيعة العصر المادي الذي لا يُتصور معه أن ينتحر شاب بسبب الفشل في قصة حب، غير منطقية "كأننا قد عدنا إلى أيام الشعراء الرومانسيين الذين ولى زمانهم ورحل، ويُقال أحيانا أن السبب عدم القدرة على الإنفاق، أو التعطل عن العمل، أو صعوبة الامتحانات، وكلها أسباب على وجاهتها لا تستحق أن يزهق إنسان روحه بيده، هكذا وببساطة".
وأضافت "الغريب حقا أن يتم الانتحار بطرق تتميز بالحدة والعنف كأن يعلق شاب نفسه على جسر، أو يلقي بنفسه من أعلى مكان مرتفع، والأدهى والأمر أن تقتل أم أطفالها ثم تنتحر، أو يذبح أب أبنائه وزوجته ثم ينتحر بقطع شراينه بسبب خوفه من أن تعاني أسرته الفاقة بعد خسارته في البورصة، وكلها حوادث تؤكد هوان نفس المصري عليه، وهوان أرواح أحبائه وأبناءه عليه، بعد أن هانت مقدرات الإنسان المصري بوجه عام داخل بلده وخارجها سواء في العالم العربي أو الغربي، بل وبعد أن هانت كرامتهم ثم أرواحهم، فبتنا نسمع عن قتل مصري على الحدود دون أن تحرك الدولة ساكنا، والتمثيل بجثة مصري في بيروت، ومقتل صيدلانية مصرية في ألمانيا، وجلد وإعدام مصريين في السعودية، أو في ليبيا، والبداية كانت مع النعوش الطائرة القادمة من العراق.. قبل أن يسقط حينما كان التواجد المصري يضيق به البعض هناك، والحبل على الجرار والمسلسل مستمر، هُنـَّا عليهم وهُنـَّا على أنفسنا".
وأكدت أستاذ الصحافة أن الإحصاءات تقول إن هناك ثلاثة آلاف حالة انتحار سنويا في مصر يقترفها شباب تقل أعمارهم عن أربعين عاما، وقالت "حالات الانتحار هذه تأخذ طابعا احتجاجيا عنيفا كمواجهة لما يمارس ضدهم من ظلم في المجتمع المصري، ولما أصابهم من يأس تام من الحياة وجدواها، وانعدام الأمل في حياة أفضل، ولعل أبرز مثال على هذا النوع من الاحتجاج هو انتحار عبد الحميد شتى الشاب النابه المتفوق الذي رُفض تعينه كملحق تجاري بسبب عدم لياقته اجتماعيا للمنصب، فكان انتحاره صرخة مدوِّية في وجه التفاوت الطبقي الذي عاد ليطل برأسه الكريه، بعد أن تواري لعقدين من سيادة الفكر الاشتراكي إبان الستينيات، وسيادة فكرة تذويب الفوارق وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، الذي كان يُعلي من قيمة العلم والعمل الجاد الدؤوب الذي يمكن أن يجعل أي فرد يتبوأ منصبا يتناسب وعلمه وقدراته.. دون السؤال عن أصوله وجذوره العائلية".
وعللت د.عزة الأمر بتدني المطامح الناتج عن فقدان الأمل في تحقيقها، أو عدم القدرة على التحقق الذاتي سواء في الالتحاق بتخصص بعينه، أو الحصول على عمل مناسب، أو تحقيق دخل يكفي لتكوين أسرة، وكلها أمال وأحلام مشروعة أصبحت صعبة المنال ومستحيلة التحقق، و"أخيرا الفقدان التام للاحترام والشعور بالآدمية داخل المجتمع المصري، سواء بين سكان العشوائيات الذين يعيشون تحت خط الفقر في ظروف غير آدمية، أو أبناء الطبقة المتوسطة من المتعلمين والموظفين والمهنيين الذين سحقهم النظام الرأسمالي بين مطرقته وسندانة، وما يحاصرهم من مظاهر بذخ الأثرياء الجدد، بكل ما فيه من سفه ومباهاة، وفقدانهم الاحترام من المجتمع، ومحاصرة كل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذه الفئة الأخيرة بالذات، والتي كثرت بينها محاولات الانتحار الفعلي، أو الانتحار المعنوي من خلال مظاهر الانزواء والانسحاب والانسحاق النفسي، ما بين طرفي التطرف الديني السلفي، والإباحي المغرق في الهروب في دوامة الإدمان".
وأكدت أن الانتحار تحول خطير يصاب الشخصية المصرية المتدينة في مقتل، " لقد تخلت عن القناعة، وعن التفريق الواضح بين الحلال والحرام كبديهية كان يمارسها المصري ببساطة كما يتنفس، ثم التمسك بمظاهر الدين وقشوره وممارسة طقوسه فقط، والبعد عن جوهر الإيمان والرضا والصبر، ومطاردة حلم الثراء السريع الذي لا يتحقق إلا للقلة، وهو محال بالنسبة للغالبية العظمي، ومع ذلك يتضورون حسرة على عدم الإمكان، والعجز وقلة الحيلة أمام ظروف ضاغطة، وفرص محدودة لتحقيق الذات أو حتى الرضا بالمقسوم كما كان دأب المصريين دائما".