تغيير المالكي!

قبل أن يسقط النظام العراقي السابق يوم 9 أبريل/نيسان 2003، راجت كذبة كبيرة صدّقها المشاركون في تلك العملية عن "الديمقراطية" في العراق الجديد، عندما كان وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول يبشِّـر بديمقراطية فريدة في الشرق الأوسط، سيكون العراق نموذجها.
رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي، القادِم للسلطة مُـختزلا نظام المرحلية الذي أقرّه حزبه حزب الدعوة الإسلامية كحقيقة تاريخية، صدّق هو الآخر هذه الكذبة عن "ديمقراطية العراق الجديد".
وها هو المالكي يطالب الأمريكيين والفرنسيين الذين انتقدوه ودعوا إلى تغييره، باحترام أصول "الديمقراطية" التي جاؤوا بها للعراق و"للمنطقة".. متحدِّثا باستمرار عن صميم العملية الديمقراطية!
ليس غربيا أن يلجَـأ رئيس الوزراء العراقي، الذي يمُـر بوضع حرِج جدّا، إلى توجيه سِـهامه للأمريكيين الذين كانوا وراء تسلمه منصبه في عملية "ديمقراطية"، بعد سقوط نظام صدّام غير الديمقراطي، بعملية عسكرية لم تحصل على تأييد إقليمي ولا دولي ولا حتى من الأمم المتحدة، التي هي في الواقع صنيعة غير ديمقراطية للقوى الكبرى، وهو يرى استضافة الأمريكيين غير المسبوقة لمعارضين له، شمَّـروا عن سواعدهم وكوّنوا جبهة "غير معلنة"، هدفها الإطاحة به.
والمالكي، وهو يمارس السُّـلطة بالمقاس الأمريكي، خلافا لكل نظريات حِـزب الدعوة، صدّق بالفعل (أو هكذا يبدو)، أنه يعيش في عصر الديمقراطية الفريدة في المنطقة والعالم، وأنه انتُـخب من قِـبل مجلس النّـواب، الذي وافق على تعيينه وِفق نظام المحاصصة الطائفية والعرقية.
وها هو "أبو إسراء"، وهي الكنية التي يُـفضل المالكي مُـناداته بها، لأنها تذكِّـره بأيامٍ خلَـت من النِّـضال الحزبي العقائدي ضد نظام حزب البعث، يرضخ، ربما مُـكرها، لإرادة قِـوى الاحتلال الأجنبي وقِـوى إقليمية تلاعبت بما بعدَ نتائج الاستحقاق الانتخابي، وفرضت عليه القبول بضمِّ البعثيين إلى السلطة، تحت غطاء وَقف أعمال العنف، بل ويشارك مُـمَثلوه في اجتماعات ترْعاها واشنطن وعواصِـم غربية وعربية، مع البعثيين في جناحي محمد يونس الأحمد وعزت الدوري، بنفس المستوى الذي يقوم به إياد علاوي، زعيم القائمة العراقية، وآخرون ممَّـن يتسابَـق على خُـطب ودّ الإرادة الأمريكية ركْـضا وراء السلطة! غطاء الديمقراطية وبغضِّ النظر عن صواب أو خطأ قانون اجتثاث البعث، الذي تحوّل بفعل هذه الإرادة الدولية والإقليمية إلى ما سُـمي بـ"قانون المساءلة والعدالة"، فإن الواضح تماما أن الشعب العراقي الذي كان ضحية جرائم البعثيين (من شارك بالفعل أم بالقوة)، لم يُـؤخذ رأيه في هذا التحوُّل السريع في الموقِـف من حزب البعث ومن بعثيين ساهموا في إيصال العراق إلى ما هو عليه الآن.
وبحسب هذا القانون، الذي صادق عليه زُعماء القِـوى الخمس التي تزعَـم أنها تُـدير العملية السياسية حاليا بعملية ديمقراطية، فسيُـنقل العاملون في الأجهزة الأمنية (الأمن العام وجهاز الأمن الخاص والأمن القومي وفدائِـيو صدّاما ولأمن العسكري)، ممَّـن لعبوا دوْرا مفصليا في كل ما شهِـده العراق من مآسي "حتى الآن"، إلى مناصب مُـوازية لدرجاتهم في الجيش والشرطة والقِـطاع المدني العام، ويُـحال إلى التقاعد من لا يتوافَـر بدرجتهم في القِـطاعات المُـشار إليها، ويستثنى من ذلك العامِـلون في جِـهازيْ المخابرات والاستخبارات العسكرية، لعدم ارتباط طبيعة عملهم بحياة المواطنين العادية.
ولأن كذبة الديمقراطية في العراق الجديد مضمونها أن هذا العراق يعيش "عرسا ديمقراطيا" منذ التاسع من أبريل 2003 – أو هكذا يَـعتقد المالكي – فسيتِـم عرض هذا القانون على البرلمان ليصوِّت عليه – قريبا - بأسلوب ديمقراطي فريد جدّا في عالم الديمقراطيات. إذ أن ضباط الأمن والمخابرات في نظام صدّام، سيعُـودون ليحكموا قَـبضتهم على الشعب العراقي المغلوب على أمره، وهذه المرّة بغِـطاء قوي اسمه "الديمقراطية"! كشف المستور! صحيح أن "قانون المُـساءلة والعدالة" لن يُـكتب له النجاح، على الأقل في المناطق الشيعية التي تجري فيها تصفية كِـبار البعثيين، دون اهتمام بما يتَّـفق عليه "القادة"، إلا أن مُـجرد رُضوخ المالكي لإرادة تغيير مُـعادلة الصِّـراع، ليُـصبح الضحية جلاّدا والجلاّد ضحية، يُـسجل علامة سلبية في تاريخ "أبو أسراء"، المعادي لحزب البعث، ويثير عليه بالتأكيد نِـقمة وغضَـب ضحايا البعثيين، خصوصا أبناء وأسَـر "شهداء" حزب الدعوة الإسلامية.
وما يثير الدّهشة، أن المالكي، الذي جرّب تقديم التّـنازلات خلال تشكيل حكومته قبل عام ونصف ليضم بعثيين سابقين ورأى بِـأمِّ عينه أن مَـن يرتكبون الجريمة المنظمة وغير المنظمة ويمارسون الفساد بكل أشكاله، هم من يستنشِـق على الدّوام أنفاس الشيطان وهم يخطِّـطون لعزله، وربما محاكمته فيما بعد، كما يردّد بعض أنصاره هذه الأيام.
وعلى أي حال، فإن "قانون المساءلة والعدالة" يمهِّـد، كما يقول المصفِّـقون له، محليا ودوليا، إلى "المصالحة"، فهو يُـعيد النظر بقانون اجتِـثاث البعث ويجري تطبيقه بعد الإفراج عن آلاف المعتقلين (معظمهم من البعثيين)، لكن الأخطر فيه، أنه يؤدّي لتمرير قانون النفط والغاز، الذي ألحَّـت عليه الإدارة الأمريكية كثيرا ورأت أن المالكي فشِـل في تمريره وفي المصالحة، بما يُـشير إلى أن صلاحية المالكي كرئيس وزراء - بنظر الأمريكيين - تنتهي بتحقيق هذين الهدفين.
وما من شك، فإن زيارة وفدٍ ضمّ كلاًّ من علاوي وعدنان الدليمى وخلف العليان وصالح المطلك (اغلبهم بعثيون سابقون، وإن اختلفت واجهاتهم السياسية) إلى واشنطن وحضورهم في الكونغرس ودعوة علاوي إلى إسقاط المالكي، تصُـب في هذا السِـياق، رغم أن الطريق نحو إسقاط المالكي لن يكون مفروشا بالزهور.
المعارضون لـ"قانون المُـساءلة والعدالة"، خصوصا ضحايا النظام السابق، يعتقدون جازِمِـين أن البعثيين لم يستسلِـموا للتغيير الذي حصل في العراق الجديد، وأنهم على العكس، قاتلوا هذا الشعب من خلال عملياتهم والتغلغل في كل الجماعات المسلحة التي تقتل العراقيين، وهو ما اعترف به غزوان الكبيسي، نائب أمين عام حزب البعث جناح يونس الأحمد.
وفي هذا الواقع، جاء اتِّـفاق القوى السياسية في البصرة حول أن يكون السِّـلاح بيد الدولة فقط! وقرار السيد مُـقتدى الصدر تجميد جيش المهدي التابع له، ليُـعزِّزا مكانة المالكي، في مسعى يرمي إلى إفشال مخطَّـط إسقاط حكومة نوري المالكي، على الرغم من كل تحفُّـظات البصريين والصدر على أدائه.
وفي هذا الواقع أيضا، يأتي إلقاء رئيس الوزراء العراقي تبِـعات "معركة كربلاء" منتصف شهر شعبان وقتل العشرات من زوار الإمام الحسين في المدينة المقدّسة أثناء الاحتفال بذكرى ولادة المهدي المنتظر، على من وصفهم بالصدّامين والتكفيريين، حتى قبل قراره تشكيل لجنة تحقيق، ليُـعطي انطباعا أنه يُـراهن على لملمة أطراف البيت الشيعي.
وربّـما يفسر كل ذلك زيارة المالكي، المهدّد بالتغيير، إلى المرجع الأعلى علي السيستاني ليحصُـل على تأييده في كل خُـطواته، خصوصا ما يتعلق بتعزيز سلطة الدولة في مقابل الجماعات الشيعية المسلحة، التي تتحمّـل قبل أي أحد، مسؤولية ما جرى من اقتِـتال وفوضى وهتك للمقدسات.. في كربلاء.. أليس كذلك؟ نجاح محمد علي - دبي