'تغريد الطائر الآلي': الرؤية والأداة (2 / 2)

وحدة القصيدة

(3)

تتميز هذه المجموعة الشعرية "تغريد الطائر الآلي" لأحمد فضل شبلول بطابع خاص، وهذا نادر وقليل في الشعر العربي الحديث، وهو أنه ـ كما سبق القول ـ يؤنْسِن الآلة، ويجعلها تتجاوب، وتحس، وتشعر. وهو يعي ما يفعله وعيًا شعريًّا، فقد سبق أن كتب مقالة عن "الشعر والمنجز الآلي والإلكتروني" قال فيها: "إن الاتجاه الشعري في عصر التكنولوجيا والفضاء يتميز ـ في رأيي ـ عن اتجاه الشعر السابق في وصف المخترعات الحديثة، فهذا الاتجاه الأخير، اتجاه الوصف، يتناول الظاهرة من الخارج، ولا يقترب منها، ولا يرصد وقعها على المشاعر الإنسانية، فمجرد وصف غواصة أو سيارة أو طائرة من الخارج ليس له أي هدف سوى التعريف بالمنجز وشكله الخارجي وكيفية استفادة الإنسان منه. وهنا تبرز الذهنية وتتجلى عن مثل هذا الوصف، الذهنية التي تعني التخطيط المسبق للعمل الفني وتوجيه مساره وفقًا لهذا التخطيط، الذهنية التي تتمثَّلُ في انعدام التلقائية والصدق وعدم الكشف الحقيقي عن هموم الإنسان وتطلعاته ورصد مشاعره والتعبير عن انفعالاته".

ويمضي الشاعر قائلا في مقاله "أما الاتجاه الشعري الجديد (يقصد اتجاهه هو في تعامله شعريًّا مع المنجز الآلي والإلكتروني) الذي نحن بصدد الحديث عنه، فإنه يدخل إلى قلب المنجز. ويحاول أن يسبر أغواره ويرصد مشاعر الإنسان وانفعالاته تجاهه وكيفية تفاعله معه، وهل يتقبَّلُهُ وجدانُهُ باعبتاره واقعَا حياتيًّا يتعايش معه، أم يرفضه ويقاومه ؟.. وهل هذا المنجز سيحطُّ من قيمة الإنسان أم سيُعلِّي من إنسانيته؟

إن أحمد فضل شبلول يعي أنه يختلف عن سابقيه، فإيليا أبوماضي حينما كتب قصيدته "الطيران" يتعجب من قدرة ابن آدم الذي يسير على الأرض، ويسبح على الماء، وصار يطير في الفضاء فوق السحاب، وهو كالعنقاء، لولا أن العنقاء خرافة ... الخ:

فهو في الماء سابحٌ وعلى الغبـْ ** راء ماشٍ وطـائرٌ في الفضاءِ

تـَخـِذَ الجوَّ ملعبًا ثمَّ أمسى ** راكضًا في الهواء ركض الهواء

فهْو فوق السحاب يحكيه في مسـ ** ــراه لكنَّه أخـو خـيـلاء

وهـو بين الطيور تحسبه العنْـ ** قاء لولا استحالةُ العنـقاء

إن إيليا أبا ماضي مبهورٌ بالمنجز الآلي في استخدام الطائرة، وما فعل أكثرَ من تشبيهها بالطير! لكن شبلول في تجربته الشعرية مع المنجز الآلي يعي أن هذا "المنجز يتسلل إلى حياتنا اليومية ويتحكَّمُ في إيقاعها، ويختصر من الزمن. هذا الزمن الذي هو أشدُّ العناصر الحياتية وقعًا على النفس البشرية". ومن ثَمَّ فإن الزمن الـذي تختصره الآلـة، يعيد الشاعر تشكيله من خلال محاورته مع الآلة التي إن استجابت له مرة، فهي لا تستطيع أن تجاذبه مشاعره دائما، فهو الذي وهبها هذه القدرة، ومن المستحيل أن تبادر هي

يقول في قصيدة "عتاب من سوالب الأسلاك":

منحتُها السرورَ والغضب

منحتُها اللعب

وهبتُها الذكريات

سألتُها ..

تخزينَ كلَّ لحظةٍ ..

تمرُّ بالشموسِ والنفوس

تسجيلَ أجمل الثواني

وأفخم المعاني

وأروع الأغاني

فَعَاتبتْ

سوالبُ الأسلاكِ عاتبتْ

تراجعتْ ..

وأصبحتْ حديدا

(آهٍ ..

من الحديد عندما يخون)

تَبَرْمَجَتْ ..

تحَّولتْ جليدا

لقد أصبح المنجز الآلي (كالسيارة، والطائرة، والحاسوب، ...) "شريكا كاملا مع الإنسان، ويختصر زمنه الخارجي" يسرُّ الإنسان منه، أو يغضب عليه، يحمل له الذكريات، لكنها غير قادرة على إعادة الزمن المفقود، والمعاني الضخمة، والأغاني الرائعة. إنها قادرة على البوح حينما تتماهى في الشاعر، فينطق باسمها، ويعبِّر عنها، لكنه حينما يطلب النطق والبوح، تظل غير قادرة. ومن هنا نجد أن بعض قصائد هذا الديوان أكثر قربًا من التعبير عن الرؤية الرومانسية التي تستجلي المخبوء في القلب والمشاعر، حتى وإن استخدمت ألفاظًا أقرب إلى اللغة اليومية (التي يتعامل بها المثقفون). يقول الشاعر في مفتتح قصيدة "الشاعر والحاسوب":

دخل الشاعرُ صندوق الحاسوبِ

وقال:

افتحْ خاناتِ الأسرارْ

واجمعْ كلَّ بناتِ البحرِ الهدَّارْ

وتحسَّسْ أنباءَ القلبِ المبحرِ في الظلماتْ

فعدوِّي الآن يقاتلُني

بالمعلوماتْ

فكلماته (صندوق الحاسوب، افتح، خانات، اجمع، عدوِّي الآن يقاتلني بالمعلومات) ظاهرها أنها لغة جافة أقرب إلى لغة العلم، لكن الصياغة أضفت على هذه الكلمات بُعدًا جماليًّا، فدخول الشاعر صندوق الحاسوب يحمل مفارقةً، وسؤالاً يفاجئ القارئ: هل يجعل الحاسوب من الإنسان آلة؟ وأي إنسان هنا ؟ إنه الشاعر. وهل يتخلى الشاعر عن أحلامه وغنائيته وذاتيته ليكون جديرًا بدخول صندوق الحاسوب ؟ أم يُعدِّل الشاعر من الحاسوب ويؤنسنه؟ وكلمة (خانات) حينما أصبحت في سياق جملة مقولة من الشاعر: افتح خانات الأسرار، كأنما الشاعر هنا في مقابل هذا العملاق العصري، الحاسوب يحس بعلوه. إنه هو الآمر بفتح خانات الأسرار حتى يرى هل كان صندوق الحاسوب جديرًا بالدخول .. أم يحسن النكوص والتراجع.

وهكذا فإن الصياغة أكسبت هذه الكلمات العلمية قدرة جديدة على الحياة والإشعاع في داخل النص. وقد استخدم الشاعر في نصوصه التي يضمها الديوان حوالي مائة وثلاثين كلمة لم نشعر بغربتها في معظم الأحيان، وأصبحت في داخل السياق لبنة في البناء يصعب انتزاعها، لكنها في بعض الأحيان تفقد هذه القدرة وتظل غريبة، تصدم القارئ ـ ولعل الشاعر يقصد ذلك ـ أي يقصد (أن تبقى الكلمة العلمية محتفظة بمعناها العلمي، لتنقل لك شيئا من الصراع الحضاري ـ أو مع الحضارة ومنجزاتها ـ الذي يعيشه الفرد العادي) حيث يجثُمُ المنجزُ الآلي على روح الفرد ـ أحيانا ـ فلا يجد منه فكاكًا!

يقول الشاعر في قصيدة بعنوان "جراي" والجراي هي الوحدة العالمية الحديثة لقياس الجرع الإشعاعية، كما جاء بحواشي القصيدة:

يختَمِرُ الإشعاعُ بكفي

تسقطُ منِّي حنجرتي

تتليَّف أفكاري،

أوردتي

ويهاجرُ أنفي

تَتَأَيَّنُ تفَّاحةُ حبِّي

تَتَكَلَّسُ أزهارُ الأرحام

ويقول في قصيدة "مَطَايا للحواسيب":

فلا تنظرْ إلى عيني

ولا تقرأْ مسافاتي

ولكنْ ضَعْ مفاتيحي

على الإصبعْ

ولا تفزعْ

ولا تقنعْ

بكلِّ المِلحِ والسُّكَّرْ

فمائي الآنَ من عَنبرْ

وخَطِّي دائما يَعبُر

مناخاتٍ ..

وقاراتٍ

ومن قرصٍ

إلى قرصٍ

تمرُّ الشمسُ

فوق العقلِ والدفتر

أقيموا من صدوِرِكمُو

مطايا للحواسيبِ

فإني يا بني أُمِّي

أخافُ عليكمُ

الجهلاءَ

والدهرا.

لم يستطع التصوير الشعري، في مثل قوله (تمر الشمس فوق العقل والدفتر) ولم يستطع تناصُّ الشاعر:

أقيموا من صدوِرِكمُو

مطايا للحواسيبِ

فإني يا بني أُمِّي ...

الذي يستدعي إلى الذاكرة بيت الشنفرى في لامية العرب:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم ** فإني إلى قومٍ سواكم لأميَلُ

لم يستطع هذا التناص، وهذا التصوير أن يبعد شبح النثرية الذي يخيِّمُ على هذا النص، ولكن من حسن حظ الشاعر أن مثل هذه النصوص قليلة في ديوانه "تغريد الطائر الآلي".

(4)

نقف الآن على أهم العناصر الفنية في الديوان، والتي كان من أبرزها:

1 ـ وحدة القصيدة: وهي ميزة حقَّقَها أحمد فضل شبلول في شعره منذ البواكير، ومرورا بدواوينه المطبوعة التي سبقت هذا الديوان: "مسافر إلى اللَّه"، و"ويضيع البحر"، و"عصفوارن في البحر يحترقان"، و"أشجار الشارع أخواتي"، و"حديث الشمس والقمر".

2 ـ التعبير الذي يمزج بين اللغة العادية، والصور المركبة التي توحي بجو التجربة هنا، وهو أنسنة الكائنات. ومن القصائد التي تجمع بين التعبير المباشر، والصور المركبة قصيدته "عتاب من سوالب الأسلاك" فالألفاظ المباشرة (وأكاد أقول العلمية) موجودة، ولكن اللغة التي تستعين بالصورة مشرقة، وغنية، وكثيرة الظلال، وتستوعب الألفاظ العلمية في سياقها، فلا نشعر بأنها غريبة أو مقحمة:

الكمبيوترُ الذي .. علَّمتُهُ الحنان والأمانَ

خانني

لأنني ..

أدخلتُ في اللغاتِ والشرائح الممغنطة

عواطفَ الأزْهارِ ، والأشجارِ ، والأنهارْ

وقصَّةَ العيون ساعة السَّحَر

ورقْصةَ الأغصانِ والأحلامِ والمطر

أَدْخَلْتُ ..

وَاسْتَرْجَعْتُ

بسمةَ العيون

إشراقةَ الجبين

تكبيرةَ الحنين

نداءَ هذه البحار

ففي الوقت الذي نجد فيه الكلمات العلمية التي تتصل بالحاسوب، مثل: الكمبيوتر ـ أدخلتُ (تكررت) ـ اللغات ـ الشرائح الممغنطة ... نجد أن هذه الكلمات فَقَدَتْ إشعاعاتِها العلمية، وأصبحت جزءًا من النص، داخل سياق شعري جرّد هذه الألفاظ من مدلولها العلمي، ومنحها في الوقت نفسه معانيَ متعددة أخرى، تتعدَّد وتثرى بقدرة القارئ على الاستجابة للنص والتفاعل معه، وتخلق جوًّا نفسيًّا فيه شراكة بين الشاعر/ النص/ القارئ، يتقاطع مع الزمن الذي نعيشه، والذي أصبحت فـيه الآلـة جـزءًا من حـيـاة الإنـسان الـعادي لا يمكن أن يستغني عنه.

وإذا كان الشاعر الجاهلي قد جعل من ناقته وفرسه (من الحيوان عموما) صديقًا يبثُّه لواعجه، ويجعل الحيوان الأعجم يستجيب لمشاعـر الشاعر، فلماذا لا يجعل شبلول من الآلة صديقًا عصريًّا، وبخاصة أن استجابته للإنسان وقدرته تفوق استجابة الحيوان، وقدراته؟

3 ـ الحركة الداخلية للقصيدة في تغريد الطائر الآلي، حركة ثريَّة، فيها تعدُّد الأصوات، والمزج بين الحسي والمعنوي، وفيها تشخيصٌ للآلة، والشاعر في كل هذا يفيد من منجز القصيدة الحديثة في قِصَرِ المقاطع (أو الأبيات)، وتصير بعض السطور مفردة واحدة تصير قدرتها في الامتداد المطلق، ليترك البياض بعدها وقبلها فرصة للكلمة، لتخلق جدليتها وقدرتها على الإيحاء بالمعنى:

... وأنا ...

يختَمِرُ الإشعاعُ بكفي

تسقطُ منِّي حنجرتي

تتليَّف أفكاري،

أَورِدَتي

ويهاجرُ أنفي

تَتَأَيَّنُ تفَّاحةُ حبِّي

تَتَكَلَّسُ أزهارُ الأرحام

وهكذا يبقى النصُّ مفتوحًا، ويشارك القارئ في إنتاج دلالاته، ويصير قابلا للقراءة مراتٍ ومرات.