تعنت ترامب يجبر ألمانيا على التخلي عن الدبلوماسية الهادئة

مرحلة جديدة تبدأ

يتابع العالم اليوم التوترات الأميركية الألمانية، التي تعود بدايتها لليوم الأول من تولي الرئيس دونالد ترامب الرئاسة، وتطور الوضع للحد الذي تخلت فيه برلين عن تقاليدها السياسية لتواجه تعنت الرئيس الأميركي الذي منحته الكثير من الوقت على أمل أن لا تتطابق تصريحاته مع أفعاله ولكن شيئا من هذا لم يحدث. إذ واصل الأخير السير على النهج الذي بدأه منذ حملته الانتخابية ولم يتراجع عن مهاجمة أوروبا عامة وألمانيا بشكل خاص، حتى بلغ المستوى الذي أوصل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى الحدود القصوى للتحمل وأخرجها عن دبلوماسيتها الهادئة التي اعتمدتها حفاظا على سجل تاريخي للعلاقات بين البلدين.

ولم يبدد الرئيس الأميركي مخاوف الأوروبيين ـ الألمان خصوصاـ في قمة السبع ومؤتمر الحلف الأطلسي، وكان توجسهم في محله إذ لم يبدي أي مرونة تذكر قادرة على طمأنتهم، ولم يحدث التحول الذي تطلعوا إليه وخرج إليهم ترامب محافظا على أفكاره التي دخل بها إلى البيت الأبيض.

ومنذ انتهاء قمة مجموعة السبع في صقلية، وجه ترامب انتقادات لدول في الحلف الأطلسي حول تسديد مستحقاتها ولا سيما ألمانيا التي كانت منذ البداية في مرمى انتقاداته أكثر من بقية دول أوروبا، كما يعكف مع فريق في البيت الأبيض على إعداد آلية الانسحاب من اتفاق المناخ الذي أملت أوروبا برمتها في الحفاظ عليه معتبرة انه من أهم الاتفاقات التي تم التوصل إليها بإجماع عالمي.

ويبدو أن المستشارة الألمانية، التي يجمع الكثير من المتابعين على أنها بذلت كل ما في وسعها للحفاظ على علاقة جيدة مع واشنطن وأن تحمل الرئيس الأميركي على الحفاظ على مسار سنوات من العلاقات الثنائية الممتازة وعدم إحداث إرباكات كبيرة، قد أيقنت بعبثية سياستها القائمة مع ترامب وأن عهدا جديدا من العلاقات سيبدأ مع أميركا.

فلأول مرة تخلت المستشارة الألمانية عن "هدوءها" الذي يميزها وأطلقت تصريحات حملت في داخلها إعلان مرحلة جديدة لن تكون فيها مهادنة واشنطن العناوين الكبرى.

وقالت ميركل في كلمة ألقتها الأحد في مدينة ميونيخ الألمانية، "ينبغى على الأوروبيين أن يتحكموا في مصيرهم بأنفسهم". وأوضحت أن بلادها ستواصل علاقات الصداقة مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

وأردفت "لقد شهدت، خلال الأيام الأخيرة، تلك الأوقات التي كنا نستطيع الاعتماد فيها على آخرين بصورة كاملة، وقد مضت هذه الأيام بعض الشيء".

وأكدت أن ألمانيا ستمد يد العون لدول أوروبا قدر ما تستطيع، مبينة أن "ألمانيا ستكون بخير ما دامت أوروبا بخير".

وذهب مراقبون إلى اعتبار أن كلمات المستشارة الألمانية كانت بمثابة الإعلان عن أنها استنفذت كل الحلول مع الرئيس الأميركي، وان لا مجال في الوقت الراهن للقبول بـ"مزاجيات" ترامب ولهذا دعت أوروبا لمزيد لعب ادوار على الصعيد الدولي والانخراط بفاعلية اكبر في القضايا الكبرى الراهنة.

والاثنين وجه وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل انتقادات حادة لترامب قائلا إن "أي شخص يعمل على تسريع التغير المناخي من خلال إضعاف حماية البيئة، ويبيع المزيد من الأسلحة في مناطق النزاع ولا يرغب في حل النزاعات الدينية سياسيا، يعرض السلام في أوروبا للخطر". وأضاف أن "سياسات الحكومة الأميركية القصيرة النظر تلحق أضرارا بمصالح الاتحاد الأوروبي" مضيفا أن "الغرب أصبح أصغر وأضعف".

وكانت ترامب بالمرصاد ولم يفوت الفرصة في الرد عبر تويتر صباح الثلاثاء بقوله "لدينا عجز تجاري هائل مع ألمانيا، إضافة إلى أنهم يدفعون أقل مما يجب لحلف شمال الأطلسي والجانب العسكري. هذا أمر سيء جدا للولايات المتحدة، وسيتغير".

كما أطلق قبل حضوره قمة مجموعة السبع بقرابة الأسبوع وابلا من الانتقادات لصادرات السيارات الألمانية إلى الولايات المتحدة وقال إن "الألمان سيؤون جدا.

وتجدر الإشارة أن الرئيس الأميركي قد بدأ في انتقاد ألمانيا وميركل منذ حملته الانتخابية العام الماضي.

ولكن الساسة الألمان، ورغم عدم رضاهم على وصول ترامب للرئاسة، حافظوا على الدبلوماسية الهادئة التي تميز سياستهم في الغالب، وتجنبوا الصدام مع واشنطن رغم تكرار الاستفزازات، بل وأقدموا على طرح بعض الخيارات لدفع الرئيس الأميركي على تغيير مواقفه بشأن بعض الملفات بدل المواجهة معه، على غرار مؤتمر المناخ فقد أرادوا أن يقترحوا، بالإضافة إلى المساعدة على إنقاذ الكوكب، الاستثمار في الطاقة البديلة باعتبار ـنها ستخلق الكثير من الوظائف الأميركية لكن دون جدوى.

وكان موعد قمة مجموعة السبع المنعطف الذي أثبتت أن لا سبيل لتغيير أفكار الرئيس ترامب ما دفع ساسة ألمانيا للخروج عن صمتهم الطويل.

ووصف المتابعون الوضع الراهن بين البلدين بأنه أسوأ فترة في تاريخ العلاقات الثنائية التي تمتد لعقود. لكنهم أجمعوا على أن الألمان بذلوا مجهودا كبيرا للحفاظ على العلاقات كان الصبر الذي انتهجته المستشارة الألمانية أبرز عناوينه، لكن بلا ثمن.

ويرجح المتابعون أن تتبنى ميركل، التي تقود مع فرنسا الاتحاد الأوروبي، تطوير الكتلة أكثر من قبل وأن تعزز أدوارها على الساحة الدولية حتى تبدو ندا للولايات المتحدة وحتى تثبت للرئيس الأميركي أن العالم لن يسير وفق لقوانينه وأفكاره. وقد يفتح هذا الواقع المرتقب مواجهات أكبر بين الجانبين، وقد يبلغ مستوى التوتر أقصاه.

ألمانيا لم ترض منذ البداية بترامب

منذ إعلان ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، توالت ردود الأفعال والتصريحات الأوروبية القوية، والمحذرة من مستقبل العلاقات الدولية في ظل فترة رئاسته، ولكن التصريحات الألمانية كانت أكثر وضوحا وكأنها تمثلت المرحلة الراهنة مبكرا.

فقد رفض وزير خارجية ألمانيا السابق فالتر شتاينماير تهنئة ترامب، رغم العلاقات الوثيقة بين ألمانيا وأميركا، وظل يكرر رفضه لفوز ترامب في الرئاسة، رغم تعارض هذا الرد وهذا التعاطي مع ما دأب عليه الدبلوماسيين الألمان، لكن يبدو أن فراسة الرجل المخضرم سياسيا قد أدركت خطورة المرحلة اللاحقة في ظل صعود هذا الرجل لقيادة أقوى دولة في العالم.

ويدرك شتاينماير الذي يقود اليوم الدبلوماسية الأوروبية أن تكريس الأفكار التي جاء بها ترامب في الحملة الانتخابية، كفيلة بخلط الكثير من الأوراق وبإحداث إرباك حقيقي في أوروبا المهزوزة ـ أساسا ـ بفعل صدمة بريكست، فضلا عن احتمال تغير الموقف الأميركي من بروسيا التي تشكل حسب القادة الأوروبيين الخطر الذي يتربص بهم. لهذا كان المسؤول الألماني صريحا أكثر مما توقعه الكثيرون، وكأنه حاول في خضم موقفه التعبير عن سياسات "كارثية" في الطريق أكثر من رفضه لشخص بعينه.

كما أبدى بعض الساسة الألمان الآخرين أيضا رفضهم منذ البداية لوصول ترامب للرئاسة على غرار وزيرة الدفاع التي وصفت الأمر بـ"الصدمة"، ولكنها في مجملها ظلت في حدود التعامل الدبلوماسي الألماني المتعارف عليه، على أمل أن تغير الممارسة السياسية وعود ترامب، وأن يتخلى بفعل الضغط الدولي من جهة وبفعل تأثير تاريخ بعض العلاقات الدولية مع بلاده عن جملة من أفكاره المثيرة للجدل.

ولكن وفي سياق المتغيرات الراهنة فإن المواقف الألمانية الراهنة والسابقة ستكون حسب المتابعين المحرك الحقيقي والرسمي لكل دول الاتحاد الأوروبي خاصة في ظل التوافق الحالي بينها وبين فرنسا. ونظرا لثقل ألمانيا الاقتصادي والمالي والسياسي على بقية أعضاء الاتحاد، فسيكون ما تتخذه برلين من قرارات في الفترة القادمة بشأن التعاطي مع واشنطن منطبقا على كامل دول الاتحاد الأوروبي.