تعبئة سياسية في النهضة لزيادة حظوظها بالاقتراع البلدي

النهضة تغطي كل دوائر الاقتراع والغنوشي يتحدث عن حرب اهلية

يقول مختصون في الجماعات الإسلامية إن النهضة باتت تراهن على الانتخابات البلدية تمهيدا لحكم تونس، فيما يشكك مراقبون آخرون في الرهان بسبب المنافسة الشرسة من قبل القوى العلمانية الديمقراطية.

ويرجع الأخصائيون المراهنة إلى عاملين إثنين أولهما استماتة الحركة في تغطية كل الدوائر البلدية البالغ عددها 360 وثانيها خطاب رئيسها راشد الغنوشي المتشنج الذي تحدث فيه عن "حرب أهلية".

وحرصت النهضة على إعداد قائمات يترأس غالبيتها "مستقلون" هم في الواقع يدورون في فلكها في مسعى إلى كسب أصوات ناخبات وناخبي الجهات الغاضبين عليها.

كما حاولت تلك القائمات الانفتاح على بعض الفئات الاجتماعية وفي مقدمتها الشباب والمرأة غير المتحجبة لتوسيع قاعدتها الانتخابية الضيقة.

وخلال الفترة الأخيرة ومع بدء العد التنازلي لموعد الانتخابات المقرر إجراؤها في 6 مايو/ايار، انتهج الغنوشي خطابا سياسيا شعبويا تصعيديا لم يتوان فيه عن التلويح بـ"الحرب الأهلية".

وترى القوى العلمانية الديمقراطية في تلويح رئيس الحركة سابقة تاريخية خطيرة لا تنذر إلا بتهديد التجربة الديمقراطية ومحاولة فرض الإسلام السياسي على التونسيين.

ويقول رياض الغرياني الأخصائي في الإسلام السياسي إن "النهضة باتت تراهن على الانتخابات البلدية لا فقط لفرض هيمنتها على الشأن العام وإنما أيضا تمهيدا للانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة لفرض حكمها على البلاد وتنفيذ مشروع الإسلام السياسي".

ويضيف الغرياني متحدثا لمراسل ميدل ايست أونلاين "يبدو أن الغنوشي يرى في الاستحقاق البلدي خرطوشة أخيرة يسعى إلى إطلاقها على العلمانيين وأيضا على فئات اجتماعية واسعة مناهضة له، غير أن الخرطوشة لن تصيب إلا النهضة".

وتتواتر أنباء قادمة من الجهات الداخلية أن النهضة تقود خلال هذه الفترة جهودا داخل المساجد وفي صفوف العشرات من الأئمة لحث الناخبين على التصويت إليها.

وقال نشطاء إن غالبية مرشحي الحركة ينتمون إلى قبائل وعشائر في الأرياف وإلى عائلات في المدن لها مكانتها وتأثيرها.

وقال الناشط وحيد حراث من جهة مدنين إن "غالبية قائمات النهضة في الجنوب التونسي مرتبطة شديد الارتباط بالنسيج القبلي والعشائري أكثر مما هي مرتبطة بالكفاءات والشخصيات التي تزخر بها جهات الجنوب في مختلف المجالات".

واعتبر حراث وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين أن مثل هذا التوجه "لا يستهدف فقط الانتخابات البلدية والمسار الديمقراطي وإنما يستهدف تمزيق تركيبة المجتمع والزج بها في الانقسام السياسي الأمر الذي يهدد الاستقرار والسلم الاهلي".

ولا ترى النهضة، كما يذهب إلى ذلك محللون سياسيون، في الانتخابات البلدية سوى آخر معاركها مع القوى العلمانية بما في ذلك نداء تونس الذي كثيرا ما تحالفت معه.

وخلال الأيام القليلة الماضية دعا برهان بسيس المكلف بالشؤون السياسية في النداء "الشعب التونسي إلى تحمل مسؤوليته في الاختيار بين التصويت لمدنية الدولة ومشروعها الحداثي وبين التصويت لمشروع الإسلام السياسي ممثلا في النهضة".

ويبدو أن الحركة التقطت التصريح لتتأكد من أن منافسها الحقيقي في الانتخابات البلدية هو النداء وأن المنافسة لا تقتصر على عدد المقاعد في المجالس البلدية بقدر ما تؤكد رفضا مطلقا لمشروع النهضة.

ومما زاد في إرباك النهضة أن بسيس ضمن تصريحه "حرص النداء على الفوز بالأغلبية حتى يتمكن من الحكم بمفرده وينفذ برنامجه التنموي والسياسي الخاص به".

وفي ظل المحاصرة من قبل حليفها إضافة إلى محاصرتها من قبل القوى السياسية العلمانية الأخرى وأيضا القوى المدنية اختارت النهضة الترويج لنفسها على أنها "ضحية" محاولة استدراج الناخبين إلى صناديق الاقتراع قبل الحملة الانتخابية.

ويقول أئمة زيتونيون إن الغنوشي حث القيادات العقائدية الذين كان استبعدهم في وقت سابق من قيادة النهضة على بذل أكثر ما يمكن من الجهود سواء داخل المساجد أو في الجمعيات الخيرية أو من على المنابر الدعوية لتأمين فوز النهضة بأغلبية المقاعد.

ويقول نزار بن حليمة أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية "إن النهضة لا تتعامل مع الانتخابات البلدية بوصفها استحقاقا تنمويا سيركز لأول مرة، أو هكذا يفترض، مجالس بلدية ممثلة لأهالي الجهات بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية، وإنما ترى فيها استحقاقا سياسيا بامتياز تراهن عليه لفرض هيمنتها على الحياة السياسية ومن ثم تمهيد لحكم البلاد وتنفيذ مشروعها الذي يستهدف مدنية الدولة ونمط تدين المجتمع".

غير أن بن حليمة يلفت إلى أن "المراهنة فاشلة مسبقا لعدة اعتبارات موضوعية وسياسية منها أن قواعد الحركة الانتخابية لا تتجاوز في أقصى الحالات 23 بالمئة ما يعني أن نحو 67 بالمئة من التونسيين ليسوا مع النهضة، إضافة إلى أن تعددية المشهد السياسي الذي تغلب عليه المسحة اللبرالية والعلمانية ترفض رفضا قاطعا مشروعها".

وتجاهر القوى العلمانية بأن سعي النهضة إلى الهيمنة على الحياة السياسية لقيادة تونس لن يقود فقط إلى تهديد المسار الديمقراطي ومدنية الدولة وانفتاح المجتمع وإنما سيقود بالحركة ايضا إلى جر نفسها إلى تجربة الإخوان في المنطقة لتلتحق بهم".

وكان حمة الهمامي الناطق باسم الجبهة الشعبية وصف مشروع النهضة بـ"الديكتاتورية الدينية الزاحفة التي تستهدف الحريات العامة ومدنية الدولة والشأن العام". ووجه الهمامي انتقادات لاذعة للغنوشي واصفا إياه "لا هو بالسياسي ولا هو بالفقيه".

ويشدد أخصائيون في الجماعات الإسلامية على أن مراهنة النهضة على الانتخابات البلدية لحكم تونس لن تقود بها سوى إلى تعميق توجس التونسيين منها خاصة وأن نحو 73 بالمئة من التونسيين يرفضون أن تحكمهم حكومة إسلامية وفق أحدث عمليات سبر للآراء أجرتها مؤسسات تونسية وأجنبية متخصصة.