تعالوا لنسقط الحكومة ونخرّب البلد!

وضع الحكومة الحالية، وحكومات ما بعد الثورة، ذكّرني بالموقف الهزلي الذي تحدّث عنه "بهجت الاباصيري" (عادل امام) وهو يحدّث معلمّته "ابلة" (سهير البابلي)، في مسرحية مدرسة المشاغبين، قائلا لها "شفتيني وانا ميّت.. أجنّن وأنا ميّت...".. حديث الاباصيري ينطبق تماما على حكومات ما بعد الثورة، فأيّ واحدة منها لم تولد ميّتة لظروف نشأتها، ولطبيعة تركيبتها، ولخيبة وزراءها في تقديرهم لمفهوم الدولة؟ اننا لم نرَ منها سوى مؤسّسات ميّتة، مزّقها "التوافق" المغشوش، وحاد بها عن طريق الديمقراطية الحقّة، حتى ان لا احد بإمكانه ان يجاملها أو حتى يساندها. ولكن أيجوز أن نسقط هذه الكيانات "الميّتة" "واللي بتجنن"؟ مقابل ان يكون الثمن هو تخريب البلد، والانعراج نحو مستنقع سوريا او اليمن او ليبيا، لا قدّر الله.

منذ اندلاع الثورة الى الان، أي منذ خمس سنوات، تعاقبت سبع حكومات، باعتبار التحويرات الوزارية الجزئية، على إدارة شؤون الدولة التونسية، أي بمعدل حكومة كل 7 أشهر تقريبا، وكانت جلّها بنكهة "جنائزية" شعبوية، لا تقدّم شيئا للمواطن المطحون، ولا للديمقراطية الحقة. لم تحقق هذه الحكومات المتعاقبة أي انجاز يذكر، لا لفائدة "أهل الثورة" ولا لصالح "أهل الثورة المضادة"، لم تشغّل العاطلين عن العمل، ولم تحقق كرامة المطحونين، والفقراء والمساكين. كل إنجازها كان توافقا مغشوشا، لم يراعي شروط الديمقراطية، ولا العدل، فحرم الناس من اختبار الأحزاب التي اختارها، فاختلط الحابل بالنابل، والصديق بالعدو، في مسرح كبير لم تكن الدولة عنوانه، ولا مبتغاه.

وأمّا حكومة الصيد الأولى فكانت عاقرا، والثانية، ما بعد التحوير الوزاري الاخير، ليست سوى قنبلة موقوتة لموت شامل قادم، وجب علينا التحضير لفصوله المكلفة. فالأولى، حققت شيئين مؤلمين، نسبة نمو لم تتجاوز الصفر، وبقت خلفه عاجزة، وظهور وزراء غريبي الاطوار، مثل وزراء الصحة والتربية والشؤون الدينية، فبدل تطوير مجالات اهتماماتهم الوزارية، توجهوا للاصطدام بمنظوريهم، واختلاق معارك لا تليق بوزراء، فعزلوا من عزلوا وأوقفوا من أوقفوا، دون أي انجاز يحسب لهم داخل وزاراتهم. والثانية، فهي حكومة النزاعات المسبقة، التابعة لشقوق حزب النداء، التي تتقاتل فيما بينها للفوز بالحكم، ولو على جسد الوطن وسقوط الدولة، بدءا بالحكومة، ويبدو بان الاستقالة الأولى لأحد الوزراء تحت الدرس، بعد ان رفض الحبيب الصيد قبولها بدءا.

كل هذا الفشل الدائم في انجاز الحكومات المتعاقبة، خاصة الفشل المتوقع من الحكومة "المنقحة" الجديدة، لا يعطينا شرعيّة الانخراط في اسقاطها، والتخلّص منها، لأنه لا بديل لنا عنها، في تونس، لثلاثة أسباب على الأقل. الأول، ان هذه النخبة السياسية ليست قادرة على صنع ما هو أفضل، وقد فشلت خلال 5 سنوات كاملة في تحقيق أي استقرار، فأغلبها انتهازي مصلحي شوفيني. والثاني، ان هذا التوافق المغشوش، الذي ينظر له المنظرون، لا يصنع الديمقراطية الحقة، وانما يبيح فنّ المخاتلة والمهادنة، ويبيح تجاوز الدستور، وهو ما يحصل كل يوم. وأما السبب الثالث، فان أي فراغ في السلطة التنفيذية قد يفتح الباب الى التقاتل والاحتراب بين الاخوة، أبناء الوطن الواحد، وهو ما يفتح الأبواب الى تكرار جريمة سقوط سوريا واليمن وليبيا، فقد ثبت فعليا بان شرائح كبيرة من التونسيين ترفض التعايش والتسامح، بل وتدعوا الى الفوضى والعنف.

ان الدعوة الى الإبقاء على هذه الحكومة، لا يعني مساندتها والإبقاء على ما هي عليه، ولكن يعني مساندتها الى ان يعي الساسة بان هناك دستور يجب ان يطبّق كما هو، وهناك قانون لابد ان يعمل ويقتص من المارقين عليه. فالدستور يبيح، وربما يفرض على الأحزاب الفائزة تشكيل حكومتها، واعطائها فرصة تطبيق برامجها، ومحاسبتها شعبيا تحت طائلة صندوق الاقتراع، ولا غير صندوق الاقتراع. والقانون لا بدّ أن يطبق بحذافيره على كل الذين ينشرون الفرقة، ويدعون الى الاستئصال، والتقاتل، والى تقسيم تونس الى جهات، وقبائل. بهذا فقط ستعود البوصلة الى الاتجاه الصحيح، الى حيث الحرية والديمقراطية الحقة، بدلا من الدعوات المشبوهة باسم التوافق.

فقط هل تعي قيادات اتحاد الشغل بان عليها ان تتخذ منزلة واضحة مما يجري، فهي هي منظمة شغلية محايدة او انها طرف سياسي، سيغلّب طرف على طرف، كما فعل وكما نال جائزة نوبل؟