تعالوا لا نشرب النخب الأميركي: لا.. للعقوبات على إيران

بقلم: زهير سالم

حسناً.. بيننا وبين الإيرانيين مشكلات حقيقية. والإيرانيون كما يقول البعض يشكلون لنا ألواناً من التهديدات والتحديات. وهم يحاولون اختراق أمننا القومي، ويحاولون دقّ المسامير في لحمنا الديمغرافي. وهم يستغلّون كل إمكاناتهم في زعزعة استقرارنا، وهم يطلقون الفضائيات التي تصدح صباح مساء في النيل من تاريخنا، ويشتمون أمهاتنا، ويسبون أصحاب نبينا. وهم يحتلون أرضنا، وهم يبيعوننا حشفا بسوء كيلة في تعاملهم معنا..

ومع أننا لا نستطيع أن نضع الإيرانيين جميعاً في سلة واحدة، ولا يساعدنا المنطق الشرعي ولا العقلي على تحميل أمة من سبعين مليون نسمة مسئولية ما يصدر عن بعض أطرافها هنا وهناك؛ رغم كل ذلك دعونا نقول: حسناً الإيرانيون يفعلون كل ذلك. ونحن ينبغي أن يكون لنا موقف رافض لما يصنعه الإيرانيون بنا، ولما يفرضونه علينا. ولكن كل ذلك لا يسوّغ لنا لا عقلاً ولا شرعاً أيضاً أن نسير مع المشروع الأميركي في الحرب على إيران سواء كانت هذه الحرب باردة أو ساخنة.

وإذا كنا ممن لا يؤمن بأن العلاقات السياسية بين الدول في مشروعاتها الاستراتيجية ذات بعد واحد، وإذا كان كل ما نشكو منه من إيران أو ما تشكو منه إيران منا، هو بعض الاستراتيجية الأميركية: تمزيق أصحاب القبلة الواحدة، وضرب بعضهم ببعض. فإن شرب النخب الأميركي في الحرب على إيران، يعني الذهاب مع الأميركي في حربه علينا جميعا..

الأميركيون ومن قبلهم البريطانيون والفرنسيون، هم أصحاب استراتيجية التفتيت، وتحريض "الأقليات" العرقية أو الدينية أو المذهبية، على الجسم العام. وشرب نخبهم في حربهم على إيران يعني أننا ابتلعنا الطعم. وأننا تحولنا عن الاستراتيجية التاريخية لأمة الإسلام من "استراتيجية الاحتواء" الصادرة عن الثقة بالذات، وبقدرة البحر على الامتصاص. كان سلفنا الصالحون يقولون "الأمة كالبحر يذوب فيها كل ما يلقى فيها"، أقول نكون قد تحولنا من استراتيجية "الاحتواء" إلى "استراتيجية النبذ" الناشئ عن الشك في الذات وفقدان الثقة بالنفس. من المحرم على السواد العام أن يتقزم في إهاب فرقة. ويستحيل على الكل أن يتقمص قميص الجزء.

الأميركيون ليسوا غاضبين على الإيرانيين، لأنهم لم يحملوا السلاح في وجههم في العراق، وليسوا غاضبين على الإيرانيين لأنهم يسبون أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وليسوا غاضبين على الإيرانيين لأنهم يقودون مشروعاً تبشيرياً لتمزيق وحدتنا الديمغرافية في كل بلاد المسلمين، وليسوا غاضبين عليهم لأنهم يستغلون الوحدات الشيعية الصغيرة بين ظهرانينا في خدمة مشروعهم المذهبي، وليسوا غاضبين عليهم لأنهم قد يمتلكون سلاحاً نووياً يبيدون به خضراءنا، كيف؟! والأميركيون يضعون مثل هذا السلاح بيد حمقى مثل ليبرمان ونتنياهو. وسلاح هؤلاء مرصود فقط وفقط لأرضنا وإنسانها ومقدساتها أيضاً..

المطلوب سياسيا أن نتعود تفكيك المواقف، وهذا ما تفتقده جماهيرنا، أن ننقل الموقف الجماهيري إلى رتبة متقدمة من الوعي: نحن مع هذا هنا، وضده هناك، ولسنا ضد أو مع، بشيك على بياض. يسوؤنا أن كثيرا من نخبنا ما زالت لا تحسن تصور مثل هذا!!

نحن ضد كل ما أشرنا إليه من سياسات وسلوكيات إيرانية تهددنا وتتحدانا وتؤذينا، وتؤذي مشروع أمتنا كل أمتنا. ونحن نطالب جماهيرنا ونخبنا وحكوماتنا بموقف عربي وإسلامي حازم وحكيم جاذب غير نابذ يتفهم المشكلات ويحاور عليها ويتصدى لها، بما تستحق. نحن مع أن نرد الصائل علينا بما يرتد به. المشروع بمشروع، والموقف بموقف، والسياسة بسياسة.

ونحن في الوقت نفسه مع إيران الشريك في العقيدة، وفي التاريخ على ما فيه، وفي الجغرافيا أيضاً. نحن مع إيران قوية، ونستطيع بقليل من الحكمة والصواب واستقلال الرأي والموقف، أن نجعل قوتها بعض قوتنا، أو نمتلك قوة مكافئة لقوتها، فكيف نُغلَبُ ونحن الأمة الأكثر والأغنى..؟!

نحن مع إيران باعتبارات عديدة، ونحن ضد إيران باعتبارات أخرى؛ ومعركتنا مع إيران هي معركتنا نحن، ويجب أن نضع استراتيجيتها وتكتيكاتها نحن..

معركتنا مع إيران ليست معركة الأميركيين، ومعركة الأميركيين على إيران ليست معركتنا. بل إن حرب الأميركيين على الإيرانيين هي جزء من حربهم علينا، حربهم على هذه الأمة عقيدتها وثقافتها وتاريخها..

من هذا المنطلق، وبهذا المفهوم.. نعلن رفضنا للعقوبات الأميركية على إيران، وإدانتنا لها. نحلم بمنطقة عربية إسلامية خالية من الأسلحة النووية، وأول الجدية في السعي إلى تحقيق هذا الحلم تكون بموقف جاد للنزع قبل الأحاديث الزور عن المنع. دولة بني صهيون وما تفعله على أرضنا، وما تخزنه لقتلنا هي الأولى بالعقوبات. ونحن الأولى برص الصف في مواجهتها.. زهير سالم
مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية