تظيمات إسلامية في الغرب... رفض التعددية

فكرة أن الأرض لله وهم وكلاء الله

من الخطأ الاستهانة بأهمية قنوات التواصل الاجتماعي حيث إنّ التنظيمات (الدينية في أوروبا وسواها) تبذل مساعي كثيرة في تحشيد عبر الإنترنت وإطلاق الخطاب الخاص بها من أجل نشر أيديولوجياتها. البرامج والأفلام التي ينتجونها غالباً ما ترافقها الأناشيد الدينية وسير الشخصيات التاريخية الإسلامية وشعارات دينية مثل «دعوة نقيّة صادقة إلى الله»، و«الله لا يقبل بالشرك»، و«حيّ على الشريعة» و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». تُشرفُ التنظيمات كذلك على مدونات ومواقع عدّة على الإنترنت وفي خضم هذه النشاطات الأثيرية جاءَ إطلاق موقع «الدين الحق» (...) الذي ينشر العديد من مقالات الرأي والنشرات الإخبارية.

برزَ نشاط هذه التنظيمات في إقامة الاحتجاجات وتعكير بعض المناسبات العامة والدعوة العلنية. تنظيم «خلف القضبان» قام بتهيئة الاحتجاجات ضد قرار حظر النقاب حيث نظّم التظاهرات في لاهاي أمام سفارات بلدان عديدة مثل المغرب وفرنسا وباكستان.

أثناء الفعاليات التي قاموا بها في العلن كانَ أنصار التنظيمات الإسلامية يحملون أحياناً راية سوداءً تحمل الشهادة الإسلامية مطبوعة باللون الأبيض (أو راية بيضاء عليها كتابة سوداء)، فكانَ هذا السلوك يتم تفسيرهُ إعلامياً على أنّهُ اعتراف من التنظيمات بموالاتهم للقاعدة، خصوصاً نداءات «تكبير» التي كانوا يطلقونها أثناء المسيرات. رغمَ أنّ الدعوة كانت سلمية في الظاهر إلّا أنّ نشاطاتهم كانت تأخذ أحياناً منحى غير مباشر باتجاه العنف حينَ كانوا يدعون إلى الجهاد في الدول الإسلامية أو يعبرون عن نصرتهم للجهاديين الذين مارسوا العنف والإرهاب في أوروبا، مثل محمد مراح. في أواخر العام 2012 ومطلع العام 2013 رحل العديد من منتسبي هذه الشبكات (مع زوجاتهم) إلى سوريا للاشتراك في الثورة ضد بشّار الأسد فانضموا إلى جبهة النصرة أو «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش). كانَ موقع «الدين الحق» على الإنترنت ينشر مقالات تناصر وتؤازر هؤلاء الشباب وزوجاتهم، في حين قامَ بعض الأهالي باتهام أعضاء التنظيمات بتحريض أبنائهم من أجل الجهاد إلى سوريا.

نشاطات عدائية

كانت بعض النشاطات تتّسم بالعدائية خصوصاً تلك التي كانت تقتحم الأماكن العامة إلى قيام التنظيمات بتعكير إحدى المحاضرات العامة التي كان يلقيها شاعر هولندي، وأصبحت هذه الممارسة شائعة عند أعضاء التنظيمات فقامت «شريعة من أجل هولندا» و«سترات دعوة» باقتحام مناظرة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) العام 2011 بين توفيق ديبي (عضو برلماني عن الحزب الأخضر الهولندي) والكاتبة النسوية إرشاد منجي. تمّت مقاطعة المناظرة باقتحام أفراد من «شريعة من أجل بلجيكا» أخذوا يرمون المتحدثين بالبيض ويبصقون عليهم ويهددونهم وينهالون عليهم بالصراخ والشتائم في مساعي تهدف إلى منع الآخرين من التحدّث باسم الإسلام عن موضوعات مثل الليبرالية والمثلية الجنسية، كما اتهمَ التنظيمان كلّاً من ديبي ومنجي بالنفاق والردّة.

اعتقلت الشرطة البلجيكية شخصين على خلفية هذه الحادثة. وفي سبتمبر (أيلول) العام 2012 قام أفراد من شريعة من أجل هولندا وسترات دعوة باقتحام اجتماع انتخابي في مسجد بدر في امستردام. وكان لهاتين الحادثتين ردود أفعال انتقادية كبيرة من قبل المسلمين الذين وصفوا هذه الممارسات بـ«بربرية والشغب الديني». أدّت هذه الحوادث إلى إقامة حوارات حول الطرق والأساليب التي تنتهجها هذه التنظيمات والتنظيمات المسلحة التي تحمل الفكر نفسه. واعتبر بعض أعضاء التنظيمات أنّ ردود الأفعال هذه كانت سلبية وغير بنّاءة. بحلول أواخر العام 2012 كانَ من الواضح أنّ أولويات التنظيمات بدأت تتطوّر تدريجياً باتجاهات أخرى، فلمْ تعد الدعوة العلنية شائعة جداً وتمّ حل شريعة من أجل بلجيكا رسمياً عبر إعلان على موقعهم على الإنترنت إثر اعتقال اثنين من أفراد التنظيم. أمّا شريعة من أجل هولندا فلمْ يتم حلّهُ رسمياً لكنهُ في حلول أواخر العام 2012 لمْ يعد نشطاً وكذلك حال سترات دعوة الذي فقد كثيراً من النشاط الذي تمتّع به في السنوات المنصرمة.

التوجه إلى الجهاد

أصبحَ معلوماً مع بداية العام 2013 أنّ معظم أعضاء هذه التنظيمات قدْ رحلوا إلى سوريا للمشاركة في الحرب الدائرة ضد بشار الأسد فانضموا إلى جبهة النصرة أو داعش أو تنظيمات أخرى مماثلة، ويُعرَف هؤلاء باسم «الراحلون إلى سوريا» وهم يصفون أنفسهم بالمجاهدين في سبيل الله والخليفة. وكانت الأراضي السورية قدْ أمستْ ساحة قتال بين جماعات متعددة من الثوار بعد فقدان العلمانيين لموقعهم القيادي في المقاومة ضد النظام الحاكم. ظهرتْ جماعات جهادية وإسلامية تقاتل النظام أيضاً فتحوّلت الثورة إلى حرب أهلية تقاتل فيها الجماعات الموالية والمعارضة للأسد بعضها بعضاً. هذا ومنذ منتصف العام 2012 والجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة تهيمن على الاقتتال في سوريا ممّا جعلها جذابة في تصوّر الكثير من الجهاديين الشباب من الشرق الأوسط وأوروبا. انضم معظم الجهاديين الهولنديين إلى جبهة النصرة وداعش، وكانت هاتان الجماعتان متناحرتين فيما بينهما ولكنّ النصرة أعلنت الولاء لداعش في فبراير (شباط) 2014.

تبلغ نسبة الجهاديين الغربيين ممّن يقاتلون في سوريا حوالي 18% حيث يتوقع أنّ العدد يبلغ 2000 جهادي قادم من دول فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا. لاتعد هذه الظاهرة بالضرورة جديدةً ولكنّ هذه الأعداد الكبيرة نسبياً تشكّل بالتأكيد مؤشراً جديداً. قدْ لا يسعنا أنْ نتفاجأ كثيراً بسبب ما لسوريا من رمزية تاريخية ودينية بالإضافة إلى قربها الجغرافي من تركيا وفشل المجتمع الدولي في اتخاذ موقف موحد صارم ضد بشار الأسد.

مصدر قلق

تثير الحركة السلفية، التي تعتبر نفسها ممثّلة وحيدة للإسلام الصحيح، العديد من الأسئلة حول مدى قدرتها على التعايش والتسامح مع المبادئ الديمقراطية الأساسية مثل حرية الأديان والرأي والحريات العامة الرائجة في البلدان الليبرالية مثل هولندا. إنّ العلاقة بين الإسلام والديمقراطية هي موضوع نقاش وحوار للعديد من النقّاد الاجتماعيين والسياسيين ممّن يعتبرون الإسلام في الأساس غير متوافق مع قيم المواطنة والحرية والانفتاح، إذْ يرون أنّ التعاليم الإسلامية تعطي شرعيةً للكراهية والعنف والقوّة واضطهاد المرأة وكلّ من يخالف الإسلام الأصولي أو يفكّر بطريقة مغايرة ولذلك تعتبر الحركة السلفية ككل مصدر قلق وتهديد للنظام الديمقراطي – حيث المخاوف تتنامى من تعاليمهِ التي قد تنتج العزلة غير المتسامحة أو الإقصاء (مساعي فرض الشريعة لتحديد العلاقات الشخصية).

تعدّ الحركة السلفية مصدر قلق سواء في جناحها المتطرّف العنيف الذي أنتج أمثال محمد بويري أو في نهجهِ غير العنيف الذي يتصوّره الكثيرون محرّضاً على العنف، رغم أنّ الدراسات تشير إلى عدم وجود علاقة مباشرة بين السلفية والقيم اللاديمقراطية والتطرّف.