تطور الفكر السياسي الشيعي

الحلم بالسياسة في مجتمعاتنا بدون افتراضات دينية مسبقة قضية بعيدة المنال

إن أفضل مدخل لفهم الفكر السياسي الشيعي هو متابعة هذا الفكر في خطين متوازيين. الخط الأول: مهام الحاكم السياسي كما يتصورها الفكر الشيعي. والخط الثاني: علاقة تلك المهام بشخص الإمام أو بالشريعة الإسلامية.

إن التفاعل بين هذين الخطين، وبحسب المناخات المناسبة لكل عصر ومرحلة، هو الذي أفرز جميع اتجاهات الفكر السياسي الشيعي وتياراته على تعددها وتنوعها.

ولو بدأنا بالقرنين الثاني والثالث الهجريين، وهما القرنان اللذان شهدا البدايات الصريحة في تشكل مفهوم الإمامة، فإننا نجد أن أهم مهام الحاكم السياسي يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:

(1) حفظ الثغور.

(2) جمع الخراج.

(3) تطبيق الشريعة وما يتعلق بها كالافتاء ونصب القضاة وتنفيذ الحدود وإقامة صلاة الجمعة والعيدين.

وبحسب النصوص المنقولة عن هذين القرنين لا نجد لدى طبقة تلامذة أئمة المذهب الشيعي المقربين من دور سوى الدعوة لإمامة أئمتهم وربط الناس بهم في الفتيا (سواء بنقل فتاوى الأئمة حرفيا أو العودة لتلك الفتاوى والاعتماد عليها في تحديد حكم بعض الوقائع الجديدة) وجمع المستحقات المالية كالزكاة لصالحهم. ولم تظهر من هؤلاء التلاميذ أي مواقف لها علاقة بالعمل العسكري سواء في قيادة انقلاب من أجل تسلم السلطة أو في تسنم أدوار لها علاقة بحفظ الثغور. كان الفقيه الشيعي في ذلك الوقت لا يتحرك إلا في فلك إمامه وبالتنسيق معه، دون أن يكون له موقف خاص به بمعزل عن إمامه الحي.

ومع القرون اللاحقة، وحتى القرن السابع الهجري، تبلور الاتجاه الرسمي للتشيّع في موضوع ممارسة السياسة، وساد القول بعدم جواز ممارسة أيٍّ من تلك المهام الثلاث في زمن غيبة الإمام، ولم يستثنَ من ذلك إلا القول بجواز الافتاء والقضاء وتولي بعض الإدارات المتواضعة كالولاية على مال القاصر الذي لا ولي له، أو تزويج الفتاة الباكر. أما الأمور الاخرى، كالدخول في السلطة أو إقامة صلاة الجمعة أو جمع الزكاة (تُرك إخراجها وتوزيعها للإنسان نفسه) أو الجهاد (وهو من القضايا التي لها علاقة بالثغور) فلم يسمح الفقه الشيعي للفقيه بمزاولتها، وفِي بعض الحالات يسمح بذلك إذا ما وافق الشخص بتمكين الفقيه من نفسه.

أما بعد القرن السابع الهجري وحتى القرن الأخير، فإن ما طرأ على هذا الموقف الأخير هو إضافة بعض الاستثناءات بشأن دخول بعض الفقهاء في السلطة. لقد كان دخولا ليس من باب (ولاية الفقيه)، بل من باب التخلص من اعتراض تعطيل الشريعة الإسلامية، ومن أجل التنسيق مع السلطات الزمنية المعاصرة لهم لغرض تطبيق تلك الشريعة. فعل ذلك ابن المطهر الحلي (ت 726) مع الحاكم المغولي خدا بنده، كما فعله فقهاء الحلة والحويزة والدورق (ومنهم ابن فهد الحلي[ت 841]) في دعم محمد بن فلاح الموسوي (ت 866) مؤسس الدولة المشعشعية، وأيضا فعله علي بن الحسين الكركي العاملي (ت 940) مع السلاطين الصفويين إسماعيل شاه وطهماسب، كما فعل أحمد النراقي (ت 1245 ه) مع القاجاريين، وهذا الأخير هو أول من توسع في الأزمنة الحديثة في صلاحيات الفقيه.

وما حصل في هذه المدة الطويلة هو تمييز الفقه الشيعي بين فكرة وجوب السعي من أجل إقامة حكم سياسي يتولى فيه الفقيه الإدارة التنفيذية والزعامة السياسية المباشرة، وبين فكرة الموافقة على العمل المشترك مع السلاطين المسلمين الشيعة من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية وفقا للمذهب الإثنى عشري. فحتى وقت قريب جدا كان ينظر للقضية الأولى كإحدى الصلاحيات الحصرية للإمام المعصوم. أما القضية الثانية، فإن التطورات السياسية داخل الجماعات الشيعية دفعت الفقيه لإعادة رسم دوره بنحو أكبر من أسلافه والتفكير بواقعية لتبرير الدخول في عوالم السلطات السياسية القائمة الملتزمة بالمذهب الإمامي وإضفاء الشرعية عليها. وكانت القضية التي جادل فيها هؤلاء الفقهاء أن الفقيه (دون غيره من الأفراد الذين يطبقون الشريعة في مجالهم الفردي الخاص) هو الشخص الوحيد المؤهل علميا للحديث باسم الشريعة الإسلامية. وهذه القضية تحديدا هي التي سترسم بعد ذلك مسارات السياسة في عالم الفقه الشيعي، فكانت كلما تعاظمت السلطة المعرفية للفقيه تضخم حجم حضوره داخل السياسة. ومع ذلك، فإن تلك السلطة المعرفية لم ترفع من سقف طموحاتهم بأكثر مما طالب به محمد حسين النائيني(ت 1355) الذي كان الممثل الأشهر لما بلغته تلك السلطة المعرفية في حدودها القصوى حين بادر مطالبا، ولأول مرة في العصر الحديث، بالحد من صلاحيات الحاكم السياسي والدعوة إلى تقييده بمدونة شرعية (دستور) يضعها الفقهاء تكون المرجع النهائي في ضبط سلوكه وتصرفاته وقراراته.

وقد بقيت فكرة الشريعة الإسلامية، بعد نفي الحاجة في تطبيقها إلى زعامة الفقيه المباشرة، ضامنةً لشرعية العمل السياسي لدى الشيعة حتى بعد تأسيسهم لأحزانهم السياسية في نهاية عقد الخمسينيات في العراق، وكان يتم الاكتفاء بالارتباط بالمرجعيات الدينية دون أن تمارس تلك المرجعيات نفسها العمل السياسي المباشر. ولكن ما بعد هذا العقد شهد الفكر الشيعي تحوّلا عظيما في تفسير علاقة الفقيه بالسياسة، حين نادى، ولأول مرة، الإمام الخميني بمنح الفقيه نفس الصلاحيات السياسية التي يمارسها الإمام عند الشيعة، ووجوب طاعة أوامره وحرمة عصيان تعاليمه، ولا سيما في مجال إدارة الدولة التي يتولى الفقيه الإشراف المباشر عليها كأعلى سلطة في البلاد، وهو الشيء الحاصل اليوم في الجمهورية الإسلامية في إيران.

ولكن مع اعترافنا بوجود هذه النظرة المركزية للفقيه الشيعي المعاصر حول نفسه ودوره، والتي يقيمها، كما قلنا، عبر تشبثه بمفهوم الشريعة واعتقاده بسلطته المعرفية التي تخوله منح نفسه أوسع الصلاحيات في السياسة، فإن بعض هؤلاء الفقهاء ظل يتصرف بواقعية في التعاطي السياسي داخل محطيه الاجتماعي والسياسي الذي يتحرك فيه. فإذا كان الخميني طالب بدولة دينية داخل مجتمع ذي أغلبية مذهبية شيعية، فإن محمد باقر الصدر لم يفعل ذلك، بل كان حديثه في نداءاته الأخيرة التي وجهها لشعبه العراقي، قبل اعتقاله وإعدامه، منصباً على قضايا التمثيل البرلماني والانتخابات الحرة والتداول السلمي للسلطة وحفظ الحقوق العامة لجميع المواطنين على قدر واحد من المساواة، وكان غاية ما طالب به الدولة هو الالتزام ب(ثوابت الإسلام وقيمه العليا). وهذه الأفكار وإن لم يتسنَ لنا اختبار حدودها في مواقف الصدر العملية في تجربة سياسية تطبيقية، إلا أن المواقف الدينية التي تمثل امتدادا لواقعية محمد باقر الصدر، وهي مواقف المرجعية الدينية المعاصرة المتمثلة في المرجع السيستاني، تبعث فينا تفاؤلا كبيرا حول عودة تحييد العقل السياسي الشيعي في شؤون السياسة. ومع أن مواقف المرجع السيستاني واضحة في الدعوة لتحمل الشعب مسؤوليته في الإدارة وسن القوانين وتمثيل نفسه بنفسه بدون الحاجة إلى وصاية دينية خارجية تمنحه الشرعية في ذلك، فإن بقاء تداول المفهوم المتوارث عن الشريعة الإسلامية وحدودها ومعاييرها القديمة يجعلنا في حالة توجس من قدرة هذه المواقف على الصمود بعد رحيل المرجع الحالي وصعود مرجعية جديدة بإيديولوجيا جديدة وفهم للدين والسياسة جديدين.

إن العقل الشيعي السياسي بقي متأرجحا بين أربعة مواقف في السياسة:

1.فهم طوباوي للسياسة كامتداد لمفهوم الإمامة.

(2) طموح مثالي لتطبيق الشريعة تفرضه الواقعية السياسية.

(3) مركزية فقهية مُعبّر عنها في صلاحيات كبيرة للفقيه.

(4) اعتراف بدور للأمة في مزاولة شؤونها السياسية والتشريعية بلا وصاية دينية.

هل يدفعنا هنا للمبالغة في التفاؤل حول تخطي الوعي السياسي الشيعي المعاصر لعقدة الشريعة الإسلامية التي تعيد بين آونة وآخرى رسم مسارات السياسة وتحولاتها؟ الجواب بالإيجاب على هذا السؤال يحدده حجم استيعابنا لمتطلبات الوعي التاريخي في التعاطي مع أسس تلك الشريعة وقيمها. نحن بالكاد بدأنا في استيعاب ذلك، ومازال الحلم بالسياسة في مجتمعاتنا بدون افتراضات دينية مسبقة قضية بعيدة المنال.

علي مدن

نشر في المدى البغدادية