تصورات استراتيجية تعيد لمصر مكانتها على الخريطة العربية

مصر الملاذ والحامي الإقليمي

الإسكندرية ـ تسعى دراسة "نحو استراتيجية وطنية مصرية في القرن الحادي والعشرين: تصورات مبدئية"، للدكتور أحمد محمد أبوزيد، إلى وضع تصور إطار (نظري) مستقبلي لما ستكون عليه السياسة الخارجية المصرية، بناء على الاحتمالات والتغيرات المتوقع أن يتخذها ويسلكها النظام السياسي المحلي في المستقبل وطبيعة النظام الذي سيسود في مصر خلال مرحلة ما بعد الثورة. وذلك عن طريق افتراض تحول النظام السياسي المصري لنظام ديمقراطي ـ تمثيلي (نيابي) حقيقي، والربط بين طبيعة هذا النظام ومدى تأثيره على عملية تشكيل نوعية السلوك والفعل السياسي الخارجي المصري في المستقبل.

وعن طريق مقارنة الاستراتيجيات الوطنية العليا المتاحة والممكن إتباعها في المستقبل، تم اختيار أفضل البدائل المتاحة وتوضيح فائدتها ومميزاتها أمام صانع القرار السياسي الخارجي المصري، وكيف يمكن أن تساهم هذه الاستراتيجية في إعادة تبوّأ مصر لمكانتها الإقليمية الجديرة بها.

هذه الاستراتيجية عمادها الأول هو "الإنسان" المصري الذي بعثته الثورة من جديد. ذاك الإنسان العربي المتعلم والمتحكم في لغة العصر وقواميسه وفي تقنيات التواصل وبناء علاقات شبكية بسعة العالم، والمتملك من حقوق وحريات وتعبيرات الذات الثقافية والفكرية والسياسية والمدنية.

ويبين الكاتب ـ وهو باحث بمعهد الدبلوماسية الثقافية والمحاضر بجامعة الجزيرة بالإمارات العربية المتحدة ـ أن مثل هذا العمل يتوجب مناقشته وتدشينه داخل أروقة وزارة الخارجية ومؤسسات الأمن القومي والمجالس النيابية والتشريعية التي تمثل فيها الأمة بواسطة مندوبين عنهم، تم انتخابهم بحرية ونزاهة، وفي مراكز الفكر وصنع القرار على صعيد آخر، وخلال حوار وطني تفاعلي وممتد على صعيد ثالث، كونه موضوعاً متعلق بمستقبل الأمة المصرية كلها، وليس فقط بأمنها القومي.

ويقول الباحث إننا نجادل هنا بأن الاستراتيجية الوطنية الأفضل لمصر الثورة هي "الدولة التي لا غنى عنها" والتي تعني بناء دولة مصرية حديثة قوية (اقتصادياً وعسكرياً) في الداخل، ومستقلة خارجياً، تعطيها من الفعالية وحرية الحركة ما يؤهلها لأن تكون جزءاً لا يتجزأ من منظومة التفاعلات الإقليمية.

وهو ما يعني أن تصبح مصر الملاذ والحامي الإقليمي والعنصر الأساسي في المعادلات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بفضل موقعها الجيوبولتيكي الفريد والمتميز وقدراتها الصناعية والتنموية المتقدمة (بفرض حدوث نهضة اقتصادية وتنموية شاملة في مصر خلال العقد أو العقدين القادمين) وتفوقها العسكري والتكنولوجي، وهيمنتها الثقافية والفكرية، وجاذبية نموذجها السياسي والفكري والفني الطاغي إقليمياً، وشرعية وجاذبية سياساتها الخارجية، وتبنيها للقضايا الإنسانية ووقوفها الدائم مع حق الشعوب وحرياتها، في المنطقة الممتدة من موريتانيا غرباً وحتى إيران شرقاً، ومن جنوب منطقة البحر المتوسط شمالاً حتى منابع النيل جنوباً. مستفيدة من إرثها الحضاري والإنساني الضارب في جذور التاريخ البشري، وبإسهاماتها الحضارية كأول دولة قومية في التاريخ، وهو ما لا يعني بالضرورة أن تكون مصر هي المهيمن الإقليمي، بقدر ما يعني تقديراً لوزنها ولنوعية خياراتها الوطنية حسبما تحوز من موارد ومصادر للقوة تؤهلها وتمكنها من ممارسة هذا الدور.

ويضيف الباحث أن الثورة المصرية (والعربية بشكل عام) قد أوجدت توازنا قويا جديدا في المنطقة، وإن العالم العربي لا يزال حتى اللحظة الراهنة في مفترق طرق أو نقطة تحول. حيث ستكون لطبيعة التحولات والتغيرات التي ستحدث في مصر تأثيراً كبيراً على مخرجات وتطورات هذا التوازن.

ومن جانب آخر فيجب ملاحظة أن التحول السياسي الذي وقع في مصر سيدفعها إلى تغيير وإعادة تشكيل منظومة سياساتها الخارجية، بصورة قد تمكنها من استعادة مكانتها في النظام العربي وتعزيز وضعها ومكانتها الدولية والإقليمية، الذي حاولت دول عربية أخرى ملء الفراغ الذي أوجده انكفاؤها في المرحلة الماضية، ولم تستطع أي منها تغطيته أو ملئه مهما حاولت.

صدرت الدراسة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية ضمن سلسلة "أوراق" في عددها الرابع عشر.