تشكيل الرعب من أصوات غير مسموعة

زحل يلتهم ابنه

قطع الرؤوس ومص الدماء وأطفال بلا ملامح وعجائز مرعبة وصرخات ودماء وشياطين وكوابيس، هذه مواضيع فنية موغلة في القدم ظهرت في اللوحات العالمية لكبار الرسامين قبل أن نشاهدها في أفلام الرعب التي أنتجتها السينما العالمية في العقود الأخيرة، فمادة الهلع والرعب ليست مادة حصرية لعالم الكتابة والسينما فقط، لكنها كانت موجودة في الفن التشكيلي قبل عقود كثيرة من تناولها في الكتابة والدراما السينمائية.

فمثلما يصيب المشاهد الخوف ويتوقف قلبه وهو يتابع فيلما مرعبا من سلسلة مصاصي الدماء مثلا فإن هذه المشاعر سرعان ما تنتاب المشاهد وهو يتمعن في لوحة مرعبة فالعين الخائفة تحاول في نفس الوقت تخيل المشهد الذي تنقله اللوحة في محاكاة سريعة ومؤثرة.

ولهذا النوع من الفن التشكيلي جمهور عريض وخاص، بحيث دخل هذا الفن ضمن التصنيفات الكثيرة التي دخلتها الاعمال الفنية والإبداعية بشكل عام، فبعد دخول الفن التشكيلي تصنيفا كأجمل وأغلى اللوحات في العالم مثلا حازت اللوحات التي تحمل مواضيع الهلع على اهتمام الجهات المعنية واختيرت العديد من اللوحات كأكثر رسمات تعبر عن لحظات مخيفة واضطرابات نفسية وعقلية صورها الفن التشكيلي.

صنفت كثير من هذه الأعمال المخيفة كنوع من السوريالية في الفن حيث خيالات اللاوعي والاحلام والكوابيس تسيطر على مجمل اللوحات المرعبة بتعبير يعكس أفكارا من العقل الباطن ينقصها المنطق ويركز على كل ما هو غريب ولاشعوري ومتناقض في النفس البشرية.

اشتهرت أعمال فنية مرعبة كثيرة بعضها لفنانين تنوعت مواضيع لوحاتهم ولم تحمل فقط ثيمة الرعب، وفنانين آخرين صبغ الخوف والغرائبية مجمل رسوماتهم حتى أصبح الهلع مرتبطا بإنتاجهم الفني وبسلوك حياتهم مثلما كان عليه الفنان الإسباني فرانشيسكو دي جويا الذي عاش في القرن التاسع عشر الذي رسم على جدران منزله المسمى "منزل الرجل الأصم" 14 لوحة مرعبة بين عامي 1813 و 1823 تناولت مواضيع عكست اضطرابه النفسي والجسدي بعد إصابته بالصمم نتيجة استنشاقه للمواد الرصاصية في الأصباغ التي يستعملها في الرسم.

واعتبرت هذه اللوحات التي امتدت على مساحة بيته الفن الأكثر رعبا وكآبة في تاريخ الفن التشكيلي، عكست الأوضاع النفسية والسياسية التي يعيشها جويا وكونت في مجملها فكرة واضحة عن نظرته إلى العالم من وجهة نظر ليست فنية فقط وإنما نقل من خلالها نظرته الخاصة إلى العالم وخوفه العميق من الجنون، إذ اعتبر جويا العالم الذي يعيشه عالما ليس سعيدا البتة، عالما يعاني من الأمراض النفسية الكثيرة، وظل هذا الخوف من الجنون يلاحق حياته ونقل كل هواجسه في 14 لوحة لخصت مخاوفه وأحلامه المرعبة وكوابيس العالم الذي وجد نفسه فيه في آخر أيامه محاطا بالارتباك والتشويش.

عجوزان يتناولان الحساء

كما اعتبرت لوحاته الأربعة عشر من أكثر اللوحات قتامة وتعبيرا عن الهلوسات والهيستيريا التي قد يمر الإنسان في لحظات رعبه الشديدة، وقيل إن جويا لم يتقصد أن يرسم لوحاته السوداء كما سماها النقاد فيما بعد، وإنما كانت الصوت الذي يضج في داخله بعد إصابته بالصمم وانتقاله للعيش وحيدا في بيت منعزل وبعيد عن مدريد حيث قضى عشر سنين يرسم عصبيته والأصوات التي لم يستطع سماعها موزعا ألوان الذعر والقلق والأرق في نوبات هيستيريا ونوبات رسم هذه الهستيريا، إنها الوحدة حين يتلبسها الذعر وحين تسجن فيها الأصوات الخارجية في أذن فنان وتبقى تصيح في الأعماق إلى حد الانفجار الذي بثه قاتما في تلك اللوحات.

وقد أعطى النقاد لهذه اللوحات أسماء حسب موضوعاتها، وهي: "زحل يلتهم ابنه"، "سبت الساحرات"، "رجل أصم"، "قتال بالهراوات"، "عجوزان يتناولان الحساء"، "رؤية رائعة/ أزموديا"، "رحلة إلى سان إيسيدرو"، "الكلب"، "رجال يقرأون"، "أتروبوس"، "جوديث وهولوفيرنس"، "نساء يضحكن"، "موكب المكتب المقدس"، و "ليوساديا".

وهذه اللوحات التي صنفت أكثر من واحدة منها مثل "زحل يلتهم ابنه" من ضمن اللوحات الأكثر رعبا، رسمها الفنان بعد الحرب الأهلية الإسبانية حين تخلى الملك تشارلز الرابع في عام 1808 عن العرش لابنه فتندلع حرب أهلية تؤدي إلى اتخاذ إجراءات في إسبانيا من قبل القوات الفرنسية المحتلة ويتم اغتصاب عرش إسبانيا بواسطة جوزيف بونابرت شقيق نابليون بونابرت، مدعما بقوة عسكرية فرنسية ضخمة، حيث أثرت هذه الأحداث وما لحق بإسبانيا من اضطرابات ودمار وخراب بالإضافة إلى الحالة النفسية التي كان يمر بها جويا نتيجة الصمم والرعب من الجنون والعزلة في إنتاجه لمجموعة اللوحات السوداء.

وإذا كانت مادة الحرب والدمار والخراب مادة منتجة لأعمال فنية مرعبة، فإن في عصرنا هذا غنى وتنوعا وثراء في أشكال الرعب، وفيه ما يكفي من الهلع لإنتاج جداريات من فن الهستيريا والهلاوس، فنظرة ليست سريعة ولا خاطفة وإنما نظرة عين مغمضة على مناظر الدم والشتات والأشلاء المرمية في الشوارع تئن بلا لسان في حاضرنا المفزع كفيلة يتحويل اتجاه الفن بأكمله إلى فن بدكنة حمراء وغبار هدم وزعيق طائرات وبكاء أطفال كثيرين وحيدين وأيتام ضياع.