تشكيل الحكومة العراقية: مسرحية هزلية من العيار الثقيل

بقلم: صباح علي الشاهر

هي بلا شك أطول مسرحية كوميدية في التأريخ، بدأت فصولها حتى قبل ان تنتهي لعبة الإنتخابات الأعجب والأغرب، والمثيرة لألف سؤال وسؤال من دونما إجابة، وهي ما زالت مستمرة حتى هذا اليوم. البعض يعدنا بأن ساسة العملية السياسية سيفطرون على حكومة مُحسنة، عندما ينتهي شهر الصوم، وإننا سنشهد الدخان الأبيض في نهاية المطاف، وهي إستعارة ليست في مكانها، فنحن لسنا بصدد الإعلان عن بابا جديد بعد موت البابا القديم، وإنما بصدد الإعلان عن رئيس وزراء لا صلة له بالقداسة من قريب أو بعيد، حتى لو أطلق لحيته، وتعمم، رئيس وزراء (سنفش فيه خلقنا) على قول أخوتنا الشوام، وسنجعله كيس ملاكمة، وسنقول فيه ما لم يقله مالك في الخمرة، لهذه الأسباب وغيرها فإني أشك بأن "طابور الصحفيين" سيُرابط ليل نهار أمام المنطقة الخضراء لتسجيل لحظة إندلاع الدخان الأبيض، والله أعلم!
سيفطر الصائمون بعد أن صاموا، فهل سيفطر الساسة على العمل وهو الشيء الوحيد الذي لم يجترحوه بعد سبع عجاف، علماً بأنهم لم يصوموا، وأظن أنهم سوف لا ولن يصوموا عن القول، الذي هو الشيء الوحيد الذي يزاولونه وليتهم يحسنونه؟
المسرحية الكوميدية التي شهدنا فصولها البايخة، أكدت ليس فشل الممثلين فقط، بل فشل المخرج والمُعد، فلأول مرّة لا يضحك المتفرجون على أحداث المسرحية، ولا يضحكون على إداء الممثلين، وإنما يضحكون ويسخرون من الممثلين والمخرج والمؤلف والمُعد، وكل من أسهم في هذه الكوميديا الهابطة، بالغة السذاجة والسوء.
يتصور ساسة الصدفة الذين إحتكروا شاشات التلفاز، والذين ابتلينا بطلعاتهم غير البهية، وهم يرددون الشيء وضده آناء الليل وأطراف النهار، ظناً منهم بأنهم بمثل هذه الفبركات والأحابيل، يخدعون الشعب، ويستغفلوه، غير مدركين أنهم هم المستغفلون والمنخدعون بعد أن أصبحوا مُثار سخرية المواطن البسيط الذي ما عاد يثق بما يقولونه، أو ما ينون قوله. ما يفعلونه، او ما ينون فعله.
سجلت خلال الأشهر المنصرمة عشرات التصريحات لشخص محسوب على قائمة أو كتلة، نصف هذه التصريحات تؤكد عدم إمكانية، لا بل إستحالة الإتفاق مع القائمة أو الكتلة المنافسة، والنصف الآخر يؤكد أن التقارب بين القائمتين أو الكتلتين وصل حد التطابق، ولشدة الفقر السياسي والثقافي لهذا الشخص فإنه لم يخرج عن نطاق الخبر إلى التحليل، ولا حتى إلى مستوى الوصف البسيط في كل تصريحاته، علماً بإنه ليس الوحيد الذي اتصف بهذا الأمر بين هؤلاء الذين لم يُصدقوا أن شاشات التلفاز أخذت تستقبلهم، فهجموا عليها هجوم التتر، وطفقوا يدلون بأقوال إن دلت على شيء فإنما تدل على بؤس السياسة وبؤس السياسين في هذا الزمن الأغبر.
كيف يصبح الطائفي - حسب قولك- والذي يتعارض نهجه تعارضاً كلياً مع نهجك الذي تدعي أنه وطني، والذي ينبغي أن يُنهى دوره لأنه تسبب بكل الكوارث، كيف تصبح أنت "الوطني!" وهو "الطائفي!" متفقان لحدود التطابق، فهل غادر طائفيته التي تتهمه بها، أم غادرت وطنيتك التي تدعيها؟
ألم تكن أنت مثلما هو، والمتحدثون باسمك، مثلما المتحدثون باسمه، ومستشاروك، مثلما مستشاروه، ألم تكونوا تقولوا كلاماً للاستهلاك المحلي، فكيف تبيح لكم أنفسكم أن تبعيوا الناس كلاماً فاسداً، تريدون منهم إستهلاكه، فأي خديعة تريدون تمريرها، ولمصلحة من؟
الغريب في الأمر أن هؤلاء السادة، عشاق التلفاز، لم يكلفوا أنفسهم حتى إحداث تغيير ولو بسيط على تصريحاتهم، حتى ولو من حيث المبنى وليس المعنى، إذ كانوا يعيدون ويكررون نفس الجمل، ونفس المعاني، ونفس الأقوال، وفي كل مرّة يجعلون عظام سيبويه تتحرك وهو في قبرة غيضاً وكمداَ من هذا الإستهتار بلغة العرب، ومن هذا الجهل الفاضح بقواعد اللغة التي يتعلمها تلاميذ المدرسة المتوسطة، فهل يشير هذا الجهل إلى المستوى التعليمي الحقيقي لهؤلاء؟
إذا لم يكن لدى عشاق التلفاز هؤلاء جديد يقولونه، فلماذا يتهافت الإعلاميون على تسويق كلامهم المُكرر والمُعاد، وهم يعرفون أن لا سبق صحفيا في جهدهم هذا، فثور الناعور ما زال يدور ويدور، يبدأ من نقطة لينتهي إليها.
نصف عام يا سادة يا كرام، حدث فيه ما حدث من أحداث، وأنجز فيه ما أنجز على مختلف الأصعدة، علمياً وأدبياً وفنياً، وشهدنا فيه كوارث لا مثيل لها على النطاق الوطني والقومي والإسلامي والعالمي، وظهرت مؤشرات واضحة على أننا إزاء تغييرات بالغة الأهمية والتأثير، وإننا بإزاء منعطفات حاسمة بكل المقاييس. نصف عام ياسادة يا كرام، والعالم من حولنا يتحرك، وبسرعة لا يستطيع أنبه المتابعين اللحاق بها، ونحن مشدودون لمستشار لا يفهم معنى الإستشارية، ولناطق إعلامي لم يدرس ولم يعرف معنى الإعلام، ولمتحدث رسمي لا يحسن التحدث.
نصف عام ونحن ننتظر الفرج من لسان غير مبين، ومن ساسة ضربوا بكل المفاهيم السياسية عرض الحائط، مما جعلنا نتساءل مرغمين: هل هم ساسة أصلاً؟
ألم يشعر ساسة الصدفة هؤلاء أن المسرحية أصبحت ليس "بايخة" فقط، بل سخيفة إلى أبلغ حدود السخافة؟
نصف عام، ودعت فيه شعوب الأرض من ودعت من رجالاتها الأفذاذ وعباقرتها، وسجلت بفخر لأبنائها المبدعين الحقيقين الجديرين بالإهتمام ما سجلته من تبجيل وإعزاز وتكريم.
نصف عام وإعلام الدنيا يُسلط الأضواء على أهم الأحداث المصيرية، ويتابع بشغف أهم التطورات في كل الميادين، وإعلامنا ينتقل من هذا السياسي الذي جاء بالصدفة إلى ذاك، ومن هذا المستشار الجاهل إلى ذاك، ومن هذا الناطق الذي جُعل رسمياً إلى ذاك، وخلال نصف العام هذا لا قال لنا السياسي الكلمة الفاصلة، ولا وضح لنا المستشار والناطق شيئاً، ولا أضاء لنا شيئاً، ولا أعطانا شيئاً، وكيف يعطي شيئاً من لا يملك شيئاً؟
لقد آن الآوان لإنزال الستارة، والإعلان عن نهاية المهزلة، قبل أن يطرد المتفرجون الممثلين الفاشلين، كل الممثلين خارج الخشبة. صباح علي الشاهر