تشظي المجتمع العربي ينعكس على الدراما

المسلسلات التلفزيونية تبلور الكارثة الكبرى

أبوظبي – من رضاب نهار

لأن الفن والثقافة مفهومان لا ينفصلان أبداً عن الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات، الأمر الذي ثبتت صحته على مر العصور، يبدو ما يعيشه الوطن العربي اليوم من أحداث ووقائع، قد انعكس بكل تفاصيله وحيثياته على الراهن القائم في معظم البلدان العربية، التي تشهد حالة من الغليان والصراع الداخلي بأياد عالمية بامتياز.

وبنظرة عامة على المشهد الثقافي العربي في الوقت الحالي، تبدو الدراما في تجلياتها المختلفة من مسرح وسينما ودراما تلفزيونية، مادة حاضرة للنقد والتحليل. فهي تجسد العناصر التي أفرزتها الأحداث، تماماً كما الانقسامات الموجودة. وذلك من حيث الشكل والموضوع المزدحم بالأفكار والثيمات الطارئة والمتأصلة منذ سنوات في منظومة المجتمع العربي والأفراد فيه. ليس على الصعيد الاجتماعي فحسب وإنما على صعيد الطبيعة السياسية التي تشكل ظواهره الباقية.

لكن في محاولتنا لقراءة الواقع الدرامي العربي، نستثني الحديث عن المسرح، باعتباره الوجهة الغائبة في معظم الأحيان. الأمر الذي يشير إلى حالة من الفقر الفكري والأدبي والفني تكاد تكون عامة نوعاً ما. وبالتالي ندرك التشرذم الموجود في الحركة الثقافية العربية، والذي عكسته الحركة السياسية والاقتصادية حتى في مرحلة ما قبل السنوات الأخيرة التي بدأت خلالها انتفاضات الشعوب.

أما السينما، فلا يمكننا أن نتجاهل ما تعانيه هي نفسها من تصنيفات تتراوح بين النخبوي، الترفيهي التجاري، وذلك النوع الرديء جداً والذي لا يصلح حتى لمحاولات النقد الفني. ولعل السينما المصرية، وباعتبارها السينما الأكثر إنتاجيةً قد تمنحنا عينة كافية ووافية لما تعيشه سينما الوطن العربي. وقد نخلص بالقول أنها تكاد تكون الوحيدة لولا المحاولات القليلة جداً، الجادة والغير الجادة منها، في بقية البلدان.

وفي الأفلام السينمائية المنتجة مؤخراً والتي التقت مع الجمهور المحلي في دور العرض أو عبر الانترنت، فثمة أصناف عديدة تندرج تحتها. ونجد أن شرخاً واضحاً يفصل ما بينها لدرجة أنه يشكل هوة وسيعة، تعكس تلك الموجودة بين الشرائح الاجتماعية ذات الهموم والتوجهات المختلفة ثقافياً وفنياً. فمن أفلام تهتم بشباك التذاكر فقط – وعددها كبير للأسف - حيث تعتمد على الاستعراض والمواقف المضحكة دون الاهتمام بالمحتوى الفكري أو بالمعالجة الجادة للأفكار حتى وإن كانت كوميدية. إلى أفلام تتخذ من الهم الوطني والإنساني في المجتمع العربي، قضية يأتي لأجلها الشكل والمحتوى، وعددها وللأسف أيضاً، قليل جداً.

وما بين التصنيفين، يوجد تصنيف ثالث يمسك الأمور من الوسط. ففي حين تراه يقترب من قضايا المجتمع ومشاكله عبر فكرة قوية وجريئة، يفشل في المعالجة باللجوء إلى سيناريو فاشل أو إخراج رديء، والعكس صحيح.

من جهة أخرى، تؤسس الأفلام القصيرة، الوثائقية في معظمها، والتي صارت بالعشرات إن لم يكن أكثر في الأعوام الفائتة وحتى اللحظة، أثناء اقترابها من الوضع السياسي والإنساني في بعض الدول وخاصة سوريا، تجربة سينمائية ناضجة غير أنها تحتاج إلى المزيد والمزيد من الخبرة والممارسة والدعم. بهدف أن تجتمع فيها يوماً، حرية التعبير إلى جانب القدرة الحرفية والتقنية العاليتين.

المسلسلات التلفزيونية تبلور الكارثة الكبرى في إطار قراءتنا للواقع الدرامي العربي. وهي وبتصنيفاتها الأساسية (اجتماعي، تاريخي، كوميدي أو غيرها) تكسر الصورة الناضجة منها التي قابلناها في أعمال مضت مثل "ليالي الحلمية" والتي تحولت في ذاكرتنا إلى ملحمة بكل ما للكلمة معنى، تمتزج فيها العناصر المكونة للمجتمع المصري وبالتالي للمجتمع العربي. إلا أننا اليوم نعجز تماماً عن دراما تستطيع أن تحقق جزءاً من احلامنا وتقترب من بعض آلامنا. وهنا لا نطلق تعميماً صارماً، فالاستثناءات توجد دائماً، لكننا نحاول الاقتراب من الإطار العام للحركة الدرامية العربية.

هذا التشظي الفظيع في الدراما لدينا، يرسم عناصر تشظ شامل وكلي نمارسه بشكل متكرر الآن، وغداً ربما. فغالباً لا يستطيع شعب يتآكل من الداخل، ويعيش من الحرب أفظعها وأقساها، أن يؤسس لمشهد ثقافي متجانس ومزدهر، إلا في فترات لاحقة بحيث يكون قد احتضن عدة تجارب متراكمة. كل ما في الأمر أننا سنصادف هنا وهناك، تجارب متنوعة تكون قلة قليلة منها على قدر من المسؤولية والفهم، وضمن المستوى الفني الراقي والواعي.