تسلف الإخوان... التَّحول ومرحلة التأسيس

ما بات يتميز الإخواني عن السلفي

تعزز المد السلفي في مصر بفعل مزاج سلفي مجتمعي وطلابي، اّخذ في الانتشار كرد فعل على نمو مظاهر الابتذال في تلك الفترة، لكن أيضاً بفعل تراجع الأطروحة الإخوانية بعد ضرب مشروعها وكوادرها وهياكلها التنظيمية، وشكل هذا التداخل المستوى الثاني في مسار الموجة الثانية من تسلف الإخوان بحيث حدث بينهما ما يشبه التعاضد لكن "تنظيمياً" بين مكونات سلفية وأخرى قطبية، لكن أيضاً بعودة واضحة لتيار العمل العام بعد مرحلة الركود في العهد الناصري.

كان الجسم الإخواني الممتد والمنهك بفعل الضربات الناصرية في 1954 ثم 1965 بحاجة إلى ضخ دماء جديدة؛ وكان شباب الجماعات الإسلامية يشكلون ضمانتها الفعلية، ومنذ لحظة التفاوض الأولى التي جرت لاستقطاب هؤلاء الطلاب داخل الإخوان جرى التفاوض على طبيعة السلفية الإخوانية على نحو ما؛ فمن كانوا يسمون بشباب الصحوة اتهموا الإخوان بالتفريط والتساهل الديني وإهمال أمور العقيدة والبحث فيها، وبأنهم ليسوا سلفيين لاسيما في مسائل الهدى الظاهر كإطلاق اللحية والموقف من الفنون والاّداب وخلافه. وقد دفع ذلك كبار الإخوان إلى الابتعاد ضمنياً عن تعريف البنا للجماعة "وللعقيدة السلفية لديه كما رأينا"، لكن على قاعدة مجاراة الشباب المندفع نحو السلفية والتسليم لهم.

الواقع أنه حين نجح الإخوان في ضم القطاع الأكبر من هؤلاء كانت السلفية تثبت أقدامها وتملأ فراغ المنظومة الإخوانية؛ يكفي أن نعرف أن أول طبعة لكتاب قواعد المنهج السلفي لمصطفى حلمي كانت في دار نشر يملكها الإخوان وهي التي صارت تعرف بدار الدعوة في الإسكندرية. كما سلموا لهم في الهدي الظاهر فاضطرت قيادات الإخوان إلى إطلاق اللحية والتزام كل السنن الظاهرة وعلى رأسهم مصطفى مشهور مرشد الجماعة لاحقاً وعباس السيسي وغيرهم.

وحين عاد الإخوان لإصدار مجلة الدعوة، لسان حال جماعتهم، العام 1976، وهي المجلة التي كانت تصدر من أيام حسن البنا وتوقفت بفعل الملاحقة التي تعرضت لها الجماعة، بدا تماهياً كان يحدث بين الإخوان والمنهج السلفي بالنظر إلى ما كانت تحويه من اّراء وأفكار أقرب للخطاب السلفي منها لدعوة الإخوان؛ فشملت كلاماً في عقد الذمة وحرمة بناء الكنائس ولزوم دفع الجزية ووجوب تطبيق الشريعة دون تقييدها برضا حاكم ولا محكوم، وبحرمة الغناء والموسيقى.

ولهذا يبدو أيضاً أن محتويات المجلة شكلت مصدراً مهماً لشباب الجماعات الإسلامية (أو جيل إسلاميي السبعينيات) لاسيما في النصف الثاني من السبعينيات حين تكثفت جهود الإخوان لضمهم إلى صفوف الجماعة.

ويبدو أن مسار التفاوض حول انضمام الجماعات الإسلامية كان سبباً في حدوث انشقاق في الحركة الإسلامية التي كانت تشهد نشأتها الثانية في تلك الفترة. فأولئك الذين تأثروا بالمكون السلفي الوهابي في مجال الفقه والعقيدة اختلفوا مع الآخرين حول الإنضمام للإخوان ثم رفضوه؛ رفضاً لم يكن عقائدياً بقدر ما كان رفضاً لهيمنتهم على حركة اعتبروا أن ليس لهم فضل فيها، فأسسوا مدرسة الدعوة السلفية في الاسكندرية عام 1976، ثم لما عكفوا على بناء أيديولوجية تميزهم اختاروا السلفية الوهابية فصاروا يمثلون المدرسة السلفية العلمية. ثم كان هناك من شباب الجامعات الإسلامية من تأثروا بالرافد القطبي وبالمودودي في الفكر السياسي فبنوا فكراً متشدداً وانعزالياً وثورياً حاكمياً تجسد في صالح سرية وعبدالسلام فرج لاحقاً في تنظيمي الجهاد والجماعة، المصري المنشأ لكن بعمق عقدي سلفي. ثم تأثر القسم الكبير منهم أخيراً بالغزالي والقرضاوي وبالتيار المنفتح على المشاركة في النظام لدى الإخوان، وهي الكتلة الأكبر التي انضمت فعلياً إلى الإخوان لكن أيضاً، بعمق عقدي سلفي ليشكلوا ما سنعتبره كتلة "السلفيين الإخوانيين".

هكذا، سيحدث التلاقح الإخواني السلفي الأهم داخل مصر، فأثرت هذه المكونات السلفية في أفكار قادة هذه الجماعات وأعضائها ونقلها عدد كبير منهم ممن انضموا لاحقاً إلى جماعة الإخوان في نهاية السبعينيات، فتأثر فكر الإخوان بالفكر الوهابي السلفي منا لم يحدث من قبل.

لقد تجلت السلفية الإخوانية الجديدة، على غرار المنطق السلفي، في نزعة نقضية تجاه المكونات الإخوانية الأخرى قد ألمحنا إليها في البداية، والتي نظر إليها بوصفها الأخر المخالف الذي رفض بشدة؛ فكان المؤثر الصوفي أكثر المكونات تضرراً بحيث تمت ضعضعته واتهم بكل نقيصة في تلك الفترة. ثم صار الأخر الأزهري الأشعري عنواناً للإنحراف الديني ومثالاً على المهادنة وممالأ السلطة. وحين وقعت الثورة الإيرانية لم يستطع الإخوان التحاماً مع أكبر حركة تغيير "إسلامي" في المنطقة بسبب التمدد السلفي في صفوفها. كما برزت إلى السطح قضايا خلافية ذات طابع فقهي بقيت محل نقاش طوال عقد السبعينيات.

كمون السلفية الإخوانية

كانت مصر مشرعة على تغييرات متسارعة، وكانت القضايا الكبرى تلهب المصريين لذلك لم يكن للسلفية صدى كبير في المنعرجات التاريخية الكبرى؛ لاسيما تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي وبدايات التفاوض ثم رفض السلام ومعاهدة كامب ديفيد لاحقاً والتظاهر ضدها، ثم أفغانستان بل والموقف من السادات أيضاً. إضافة إلى أن مصر كانت تزخر بعدد كبير من العلماء والدعاة مثل عبدالحليم محمود ومتولي الشعراوي ومحمد الغزالي وأحمد المحلاوي وصلاح أبو إسماعيل وحافظ سلامة وعبدالحميد كشك وعبدالرشيد صقر ومحمود عيد وصلاح الصاوي وإبراهيم عزت وكذلك بأساطين العمل العام من حزبيين وقانونيين وإعلاميين من كل التيارات، كانوا يملأون الساحة السياسية والإعلامية المصرية، بل إنه غداة الاعتقالات العام 1981 كان هناك قائمة تحفظ ضمت أكثر من ألف اسم يمثلون كل التيارات؛ بما يؤشر على ما كانت تعيشه مصر قبلها من حراك سياسي غير مسبوق.

في مثل ذلك المناخ كان لأطروحة الحضور في المجال العام من الزخم القوي ما لم تصمد أمامه أي ضغوط؛ حتى لو كانت سلفية؛ وذلك بالنظر إلى أن البيئية المواتية والفرص المتاحة كانت تغري قطار العمل العام في الإخوان بالانطلاق ولم يكن لدى السلفيين الإخوان من شباب الجماعات السلفية رفض لركوبه بافتراض أنها كانت أطروحة كامنة لدى السلفيين أيضاً. من ذلك أنه حين طرح أول رفض وهابي مصري لانتخابات العام 1976، وقتها ذهب الطلبة لبعض المشايخ وأفتى لهم الشيخ محمد نجيب المطيعي بجواز الانتخابات على عكس ما كان يقول به المنطق الوهابي. فدعم قادة الجماعات الإخوانية مرشحين في انتخابات 1976 منهم عادل عيد المحامي البارز؛ وقادوا حملته في الإسكندرية تحت شعار "عودي يا مصر الإسلامية".

وبدءاً من تلك الفترة، سيجسد هؤلاء (أي قادة الجماعة الإسلامية الإخوانيين) الحركة الطلابية التي قادة قطار العمل العام في جماعة الإخوان بداية من نهاية السبعينيات. وزاد من أهميتهم في الجسم الإخواني وسهل انضمامهم إليه أنهم كانوا قد انفتحوا مبكراً على انتخابات الاتحادات الطلابية وسيطروا عليها في الجامعات، وتفاعلوا مع الحساسيات الثقافية الموجودة في الحركة الطلابية اّنذاك، تماماً مثلما كانوا يمارسون العمل الإسلامي ويقيمون صلوات العيد في الخلاء.

لقد فرضوا حضورهم في المتاح لهم من مساحات مفتوحة للعمل العام قبل أن يبدءوا عملياً استراتيجية المشاركة في الانتخابات العامة مع بداية الثمانينيات حين استفادوا من سياسة المهادنة التي اتبعها نظام مبارك في تلك الفترة ليتكرس اندماجهم في الاخوان بشكل تام. وهو ما جعلهم محل انتقاد التيارين السلفيين الاّخرين اللذين كانا قد اكتمل تبلورهما أيضاً: الاتجاه الأول اتخذ صورة علمية في مدرسة الدعوة السلفية في الإسكندرية فيما اتخذ الثاني طابعاً جهادياً عبر الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد.

هكذا، يمكن ملاحظة أن التأثير المتبادل بين الإخوان والسلفية تميز بصيغة يمكن تحديدها، فبقدر ما كان التأثير الإخواني في السلفية الوهابية حركياً بقدر ما كان التأثير السلفي لدى الإخوان أيدولوجياً. لذلك سنلاحظ من جهة أولى كيف أدى التلاقح الحاصل في الإتجاه الأول إلى نشأة فرعين حركيين في السلفية: أولاً عبر الفرع القطبي (نسبة إلأى سيد قطب) الذي نتج عنه تيار جديد اصطلح على تسميته بالسلفية الجهادية عبر فرع الإخواني الفلسطيني الشيخ عبدالله عزام، ثم تيار الصحويين السعوديين عبر فرع الإخواني السوري محمد سرور زين العابدين الذي دمج بين فكر العمل العام الإخواني وبين سلفية المعتقد في الوهابية.

وسنلاحظ من جهة أخرى، أن التلاقح الحاصل في الاتجاه الثاني والذي أنتج ما سنسميه (جيل السلفيين الإخوانيين) كان عميقاً وممتداً وذا وتيرة متسارعة لكنها ظلت كامنة ضامرة تخضع لحركة مد وجزر فرضتها طبيعة السياق المصري في العقوم التالية أولاً، ثم طبيعة هوية الإخوان أنفسهم ثانياً.

مستل من كتاب تسلف الإخوان ... تآكل الأُطروحة الإخوانية وصعود السَّلفية (مكتبة الإسكندرية 2010)، تأليف: حسام تمام (باحث مصري في شؤون الحركات الإسلامية، توفى 26 أكتوبر 2011). ولتمام أيضاً كتابي: "مع الحركات الإسلامية في العالم – رموز وتجارب وأفكار" "تحولات الإخوان المسلمين تفكك الأيدولوجية ونهاية التنظيم".