تساؤلات عن السياسة 'الحماسية' البرغماتية!

منذ صعودها إلى سدّة السلطة، بدت "حماس" أكثر برغماتية وواقعيّة ومسؤولية، إلى درجة غير متوقّّعة، بالقياس لمواقفها الشعاراتية السابقة، التي كانت تعزف من خلالها على العواطف وتلهب الغرائز، والتي كانت تتوخّى عبرها تهييج الشارع بدل تنظيمه وإدارته، وتعزيز دورها كمعارضة في مواجهة السلطة.
يلفت الانتباه في مواقف "حماس" الجديدة، أولاً، جنوحها نحو التهدئة، مع إسرائيل، إلى حدّ إبداءها الاستعداد لعقد "هدنة" طويلة الأمد معها؛ ثانياً، تفهّمها حلّ الدولتين وقبولها إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع؛ ثالثاً، تمجيدها العملية الانتخابية، وآلية تداول السلطة في النظام السياسي الفلسطيني؛ رابعاً، دعوتها لإعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل دورها وتعزيز مكانتها؛ خامساً، حرصها على الحفاظ على كيان السلطة، باعتباره مكسباً وطنياً للفلسطينيين.
الّلافت أن مواقف "حماس" هذه، والتي تعدّ بمثابة انقلاب سياسي على مواقفها السابقة المعروفة، جاءت جدّ متأخّرة، ولتلبية حاجات الاستهلاك الخارجي، وتكريس الاعتراف بها بالسلطة. وهي مواقف كان من المفترض أن تأتي، قبل ذلك بكثير، لتلبية حاجات الفلسطينيين الداخلية، وللاستجابة لضرورات الكفاح الفلسطيني. الأنكى من ذلك، أن هذه المواقف جاءت، في هذه المرحلة، من دون تمهيدات مسبقة، ومن دون تبريرات أو شروحات، بات الشارع الفلسطيني يطلبها، كي يستطيع هضم التحولات "الحماسية" المفاجئة.
في السابق، أي فترة تزعّمها للمعارضة، كان برنامج "حماس" أيدلوجيا أكثر منه سياسيا، وإسلاميا أكثر منه وطنيا، وكان يتضمن رفض عملية التسوية برمّتها وضمنها خيار الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، داعيا إلى الاستشهاد في سبيل تحرير كل فلسطين، مسبغا على هذا الهدف أبعادا دينية وقدسية وأبدية.
وخلال السنوات الخمس السابقة، انتهجت "حماس" في المقاومة المسلحة، نمط العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية، وظلّت ترفض محاولات التهدئة، أو محاولات ترشيد المقاومة، بتركيزها في الضفة والقطاع ضد المحتلين من مستوطنين وعسكريين، على الرغم من الثمن الكبير الذي دفعه الشعب الفلسطيني، جراء ذلك، من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن مكانة قضيته على الصعيد الدولي.
وبالنسبة للمنظمة فقد حرصت "حماس" على العمل من خارجها، مشكّكة بشرعيتها وصدقية تمثيلها للفلسطينيين. أما الكيان الفلسطيني، الناشئ عن اتفاق "أوسلو" (1993)، فقد تبرّأت منه "حماس" تماما، واعتبرته مجرد كيان صوري وتابع وهزيل، وأنه مجرد محاولة لتصفية قضية فلسطين.
كذلك فإن "حماس"، ومنذ بداية عملية التسوية (من مؤتمر مدريد 1991)، نأت بنفسها عن المفاوضات، واعتبرتها بمثابة نوع من العبث، متهمة القيادة الفلسطينية الرسمية (قيادة السلطة والمنظمة)، بالتفريط، بدعوى أن إسرائيل لا تفهم لغة المفاوضات وأن الكفاح المسلح هو الطريق لتحرير فلسطين، وأن العالم العربي والإسلامي يقف سندا للشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل هذا الهدف.
الآن لا يعنينا من هذه المقارنة العودة إلى الماضي، أو محاسبة "حماس"، على مواقفها السابقة، على أهمية وضرورة ذلك (بالنسبة لحماس وغيرها)، وإنما ما يعنينا هنا هو التساؤل عن الثمن الباهظ، الذي يدفعه الفلسطينيون، في كل مرة، جراء التنافسات الفلسطينية الضيقة والآنية، وجراء غلبة العقلية الأيدلوجية والعاطفية على العقلية السياسية والواقعية عند "أبواتهم" و"شيوخهم"، وجراء استهتار قياداتهم بعواطفهم وعقولهم؟ وما يعنينا هنا، أيضا، هو الوعي المتأخّر والاضطراري بالتعقيدات المحيطة بالقضية الفلسطينية، وبواقع موازين القوى السائد، وبضرورة الأخذ بعين الاعتبار المعطيات العربية والدولية السائدة.
على ذلك فمن حق الشعب الفلسطيني (وضمنهم ناخبو حماس)، الذي يعاني ويضحي أن يطرح، على قياداته على اختلافها، أسئلة من نوع: أين كنا وأين أصبحنا؟ لماذا تراجع الاهتمام الدولي والعربي بقضية فلسطين؟ ولماذا باتت عدالة القضية الفلسطينية موضع تساؤل على الصعيد الدولي؟ ولماذا لا ينتج الكفاح الوطني الفلسطيني، منذ أربعة عقود، إنجازات حقيقية؟ ولماذا هذه الحركة الوطنية الفلسطينية تأكل ذاتها؟ ماذا فعلنا بالمفاوضات وماذا فعلت بنا؟ ماذا فعلنا بالانتفاضة وماذا فعلت بنا؟
هذا نموذج، من بعض قليل، من أسئلة ينبغي على القيادات الفلسطينية أن تجيب عليها، بجدية ومسؤولية، لوضع حد لهذا الاهتراء المريع بحركتهم الوطنية، على مستوى الشعارات والعلاقات والمسلكيات والمؤسسات، ولوضع حد لتكرار مآسي الفلسطينيين الكثيرة وتجاربهم المجهضة وخيبات أملهم المتعددة، وحتى لا يبقى الشعب الفلسطيني مجرد حقل تجارب أو مجرد مشاريع شهادة وأضحيات على مذبح التنافسات والوصايات الفصائلية والعقليات، البالية والمتخلفة والمضرة.
الحاصل أن الفلسطينيين المغلوبين على أمرهم، والخاضعون (رغما عنهم) للوصاية الفصائلية، لم يجدوا منذ بداية تجربتهم الوطنية المعاصرة، أجوبة واضحة وشفافة عن الاستحقاقات التي تواجههم، أو عن أسباب الهزائم أو العثرات التي تظل تلحق بهم، على الرغم من أنهم هم من يدفع الثمن الباهظ لذلك، في كل مرة، وعلى الرغم من التضحيات الكبيرة التي يقدمونها من أجل قضيتهم.
على كل ثمة ايجابية في تغير أو تطور "حماس"، من حركة أيدلوجية إلى حركة سياسية، ومن حركة دينية إلى حركة وطنية (جامعة)، فهذا التحول، ولو جاء من خلال "التوريط"، يمكن أن يسهم في إنضاج وتطوير حركة التحرر الفلسطينية، ولو كان ذلك يتم بالتدريج ووفق مصطلحات "حماس" الخاصة. ماجد كيالي