تساؤلات حول ثورة 25 يناير

في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير 2011 الملقبة بثورة اللوتس مازالت هناك تساؤلات كثيرة مطروحة وأسئلة تبحث عن اجابات، وهذا طبيعي في كل الثورات عبر التاريخ، ففك لغز الثورات وتقييمها بشكل علمي وتاريخي محايد قد يحدث بعد قرون من حدوثها، ولهذا تتجدد التساؤلات كل فترة في محاولة لفك الغموض والبحث عن الحقيقة وإعادة التقييم بعد ظهور أي معلومات جديدة، وثورة 25 يناير ليست استثناء من هذا.

في هذا التوقيت زادت التساؤلات حول ثورة 25 يناير والتشكيك فيها، وفي هذا المقال نحاول الأجابة على العديد من الأسئلة المطروحة، ونبدأ بالسؤال الرئيسي.

• هل هي ثورة؟ وهل اكتملت هذه الثورة؟

رغم أن هناك تعريفات كثيرة لمفهوم الثورة إلا أنني أخترت أن امزج ما بين العديد من هذه التعريفات لأصل إلى التعريف الذي اراه شاملا لمفهوم الثورة، حيث يمكن تعريفها على أنها تغيير عميق جذري وشامل في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفي توزيع مصادر القوة وفي بنية التفكير والثقافة، وهذه التغيرات تعيد تشكيل الدولة لفترة طويلة في المستقبل. فهل حدث هذا مع ثورة 25 يناير؟

الاجابة أن هذا الأمر قد يستغرق سنوات طويلة والمستقبل كفيل بالأجابة على هذا السؤال، فإذا تحقق تعريف الثورة كما هو مبين، وإذا تحققت أهدافها المعلنة: عيش وحرية وعدالة اجتماعية، وقتها سنقول أنها ثورة حقيقية غيرت وجه الحياة في مصر، وإذا لم يتحقق ذلك نقول أن الثورة لم تكتمل أو أنها اجهضت أو تغير مسارها أو نقول كما وصفها هنري كيسنجر أنها كانت مجرد انتفاضة شعبوية، وبناء على ذلك نقول ونحن مطمئنون أن الثورة لم تكتمل لأن أهدافها لم تتحقق بعد، وعلى الرئيس القادم أن يراعي أنه جاء بعد ثورتين أو موجتين ثوريتين تكمل بعضهما البعض وأن مهمته الأساسية تتمثل في تحقيق آمال الشعب في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

• تحت أي نوع من الثورات تصنف ثورة 25 يناير؟

تدخل ثورة 25 يناير ضمن ما عرف بالثورات الملونة التي ثارت على الاستبداد والفساد وغياب الحريات كما حدث في جورجيا واوكرانيا وصربيا ودول أوروبا الشرقية وإرهاصات الثورة الخضراء في إيران.

هذه الثورات الملونة لها سمات محددة منها: اولا أنها ثورات سلمية، وثانيا أنها ثورات كانت القيادة فيها لنشطاء المجتمع المدني المرتبطين بأميركا واوروبا الغربية، وثالثا أنها ثورات مدارة وليست تلقائية، رابعا أن جهات عدة في أميركا والغرب حكومية وغير حكومية ساعدت على اشعالها، خامسا أن هذه الثورة استثمر فيها المليارات لإشعالها وتهيئة المجتمعات لتقبلها، سادسا أنه تم تسليط الضوء عليها بكثافة من قبل الإعلام الأميركي والغربي لتفعيل نظرية الدومينو، سابعا أنها كانت جزءا من خطة غربية لعمل تغيير شامل في دول الاتحاد السوفيتي السابق وبعد ذلك في الشرق الأوسط، وثامنا أن بعض القيادات الميدانية في هذه الثورات كانوا على دراية كبيرة بهذه الخطة وجزءا آخر من هذه القيادات كانوا مجرد متدربين على نشاط المجتمع المدني في الغرب وجزءا ثالث كانوا قيادات خلقتها متطلبات اللحظة الثورية، تاسعا أنه عقب اندلاعها عملت أميركا والغرب بكل الطرق على أن تسير في الاتجاه المخطط لها حتى ولو كان ذلك على عكس رغبة الجماهير الواسعة التي قامت بها، وعاشرا أنها نجحت بشكل كبير في بعض الدول ونجحت بشكل جزئي في دول أخرى وفشلت في بعض الدول.

• هل لأميركا وتركيا وقطر والتنظيم الدولي للإخوان دور في هذه الثورات؟

قلنا أن ثورة 25 يناير تنتمي لطائفة ثورات المجتمع المدني الملونة، وهذا النوع بالتأكيد لأميركا دور بارز في هندسته ووضع آلياته والتنظير له عبر مراكز بحوثها المتعددة وتدريب كوادره، ومن ثم فأن أميركا أنفقت المليارات على هذه الطائفة من الثورات. وهناك عشرات الأدلة على ذلك، وقد استمعت إلى الإعلامي الأميركي البارز جلين بيك في البرنامج الأشهر على فوكس نيوز "مع أوريلي" وهو يشرح دور الحكومة الأميركية بالتنسيق مع غوغل في الثورة المصرية. وهل يعقل أن تمنح اليمنية توكل كرومان، عضو حزب الإصلاح الاخواني باليمن جائزة نوبل للسلام دون أن يكون ذلك ضمن خطة أميركية غربية؟ من هي توكل كرومان وماذا فعلت حتى تحصل على هذه الجائزة الدولية الرفيعة؟ ومن هي أسماء محفوظ حتى تحصل على جائزة سخاروف التي حصل عليها كبار المناضلين؟

لقد أثبت الغرب أن جائزة نوبل للسلام وهذه الجوائز مسيسة ونزلوا بقيمتها للحضيض، ولن تضيف كثيرا لشخص محترم في المستقبل بعد أن حصل عليها هؤلاء.

أما بالنسبة لتركيا وقطر والاخوان فجاء دورهم بعد تحديد أهداف هذه الثورات في الغرب، وهو حكم الإسلاميين لبلادهم لإستيعاب ظاهرة الإرهاب الإسلامي داخل دولها ووقف تصديرها للغرب، فاختارت أميركا تركيا لكي تكون النموذج القائد المرغوب تصديره عبر حكم الاخوان للمنطقة وشاركت قطر بثقلها التمويلي والإعلامي في دفع الخطة الأميركية، وشارك التنظيم الدولي للاخوان كآلية تنفيذ للخطة وكمنسق مع كل هذه الاطراف.

• هل الملايين التي خرجت للشوارع كانت على علم بكل هذا؟

بالتأكيد لا، فالملايين التي خرجت للشوارع ثارت في وجه الفساد والاستبداد وحكم الشلة ومحاولة توريث الحكم، وفي وجه الدولة الأمنية البوليسية القاسية، ومن ثم فأن هذه الملايين هي التي اعطت للثورة قيمتها وشرعيتها وحددت أهدافها، وثارت مرة أخرى في وجهها عندما انحرفت عن مسارها. والثورة كانت متوقعة ومشروعة والدور الخارجي هو محاولة هندستها لتحقيق الأهداف المخطط لها وليست الأهداف الشعبية. فرغم أن ثورة 25 يناير كما سبق ووضحنا كانت ثورة مدارة وليست ثورة تلقائية إلا أن الملايين خرجت بشكل عفوي وتلقائي بعد أن صار كل شئ مهيأ للأنفجار.

• هل ثورة 30 يونيو هي الأخرى كانت مدارة أم تلقائية؟

ثورة 30 يونيو بدورها كانت مدارة ولم تكن تلقائية، أما الجماهير فخرجت أيضا بشكل تلقائي في مواجهة طغيان وتغول اخواني، الفرق بين الأثنين أن الذين خططوا وهندسوا لثورة 25 يناير كانت اطراف خارجية أما الذين خططوا وهندسوا لثورة 30 يونيو كانت اطراف وقوى داخلية بمساعدة ليست كبيرة من بعض الدول الخليجية. باختصار ان الذين اسقطوا حكم الاخوان هم القوة الصلبة في نظام مبارك وهم الجيش، والمؤسسات الأمنية والمخابراتية، وإعلام رجال أعمال مبارك. وكان وقود الثورتين هو الشعب متطلعا لنفس الأهداف التي خرج لها يوم 25 يناير 2011: عيش-حرية-عدالة اجتماعية.

• ما هي العبرة من الثورتين؟

دعنا نقولها بصراحة أن الشعب ثار على نظام مبارك وعلى حكم الاخوان، وكلاهما وجهان لعملة واحدة في الاستبداد والفساد والطغيان وحكم الشلل وتحطيم الآمال ونهب ثروات ومقدرات الأمم. كما أن الشعب ثار من آجل مستقبل أفضل له ولأبنائه في العيش الكريم والكرامة الإنسانية والعدل في كل شيء، وهذه الرسالة على الحاكم القادم أن يعرفها جيدا، محاولة إرجاع العناصر الفاسدة والوجوه القبيحة من نظام مبارك أو من الاخوان والإسلاميين هو تحدٍ لإرادة هذا الشعب، ولن ترحم الجماهير من يفعل ذلك مهما إن كان مركزه، ولن تقبل الناس بأن تعود عقارب الساعة إلى الوراء. ولهذا لن يتأتى الاستقرار والأمن لمصر إلا عبر تحقيق إرادة هذا الشعب. وكما أستخدم الإسلاميون إرهاب التكفير يحاول البعض إرجاع إرهاب الدولة البوليسية عبر التخوين الوطني، وكلا الطريقين محفوف بالمخاطر لأن الناس قد جربت كلا الطريقين وثارت عليهما، والويل كل الويل لمن يحاول الاستذكاء على هذا الشعب ويتصور نفسه أنه قادر على ذلك.

بصرف النظر عن الأبعاد الخارجية والداخلية للثورتين، فالحقيقة المؤكدة أن الشعب المصري هو الذي ثار، والشعب هو الذي صنع التاريخ واعطى شرعية للثورة، والشعب هو الذي تحمل الثمن من ارواح ابناءه ومن قوته اليومي، والشعب هو الذي ابهر العالم، والشعب هو من صنع الملاحم وفجر البركان، والشعب هو صاحب الثورة وصانعها، والشعب هو الذي غير مسار التاريخ مرة أخرى ليصحح مسار الثورة ويرجعها من خاطفيها، والشعب هو الذي اسقط خطط الغرب في حكم الإسلاميين للمنطقة، والشعب هو الذي حول المتعاونين مع الغرب لأسلمة الدولة المصرية إلى مجموعة اقزام، والشعب هو الحارس الوحيد والحقيقي لثورته.

الشعب هو البطل....الشعب هو المعلم......الشعب هو الدولة.