تساؤلات حول أهداف عقد مؤتمر الأديان

القاهرة
المساعدة في تهيئة مناخ تتعايش في ظله الأجيال الحاضرة والمستقبلية

في الوقت الذي رحبت فيه الأوسط الصحفية الإسرائيلية بما تمخض عن مؤتمر الأديان الثلاثة, الذي عقد في مدينة الإسكندرية الساحلية المصرية برئاسة شيخ الأزهر وأسقف كانتربري وحاخام اليهود الشرقيين في إسرائيل، وبلغ الأمر بالكاتب ناحوم برنياع في صحيفة "يديعوت احرونوت" الصادرة الثلاثاء (22 ك2 2002), اعتباره مكسبا لإسرائيل، أدان علماء أزهريون البيان الختامي الصادر عن المؤتمر, واعتبروه بمثابة وثيقة إدانة للعمليات الاستشهادية الفلسطينية, تورط في التوقيع عليها علماء مسلمون شاركوا في المؤتمر.
وسرت حالة من الدهشة والتساؤل بين المثقفين والسياسيين المصريين حيل الهدف الحقيقي من المؤتمر, وما تحقق منه بالفعل، والطرف المستفيد في النهاية من ورائه. وانعكست هذه التساؤلات في صورة حالة من الصمت. وقال أحد العلماء, فضل عدم ذكر اسمه, خوفا من المسّ به, خصوصا بعد تحويل عدد من شيوخ الأزهر للتحقيق وإلى مجالس التأديب مؤخرا, لمخالفتهم رأي شيخ الأزهر, أو بسبب السفر للعراق بغير إذنه، إن صيغة البيان هي "أكبر دليل على أن الذي صاغه هم اليهود والغربيون, الذين شاركوا في المؤتمر, واقتصر دور علماء المسلمين على التوقيع عليه". وقد نص البيان على أن قتل الأبرياء "باسم الرب" تدنيس لاسمه تعالى ولكل أديان العالم!.
وأضاف العالم الأزهري قائلا إن الهدف من هذه العبارة واضح, وهو إدانة العمليات الاستشهادية البطولية, التي يقوم بها الفلسطينيون دفاعا عن أرضهم، كما أن بقية نقاط البيان السبعة تخلو من أي إشارة لحقوق الفلسطينيين, أو للعدوان الصهيوني المستمر ضدهم يوميا, بحسب قوله.
وكان ممثل أسقف كانتربري جورج كاري قد أكد عقب صدور البيان أن هذه الإدانة الخاصة بالقتل باسم الرب "تشمل العمليات الفدائية في الشرق الأوسط", مشيرا إلى أنه أول بيان مشترك في هذا الصدد يوقعه علماء دين مسلمون ومسيحيون ويهود.
ومعروف أن الشيخ يحيى إسماعيل, أحد علماء الأزهر الشريف, الذين تم فصلهم لمعارضتهم لشيخ الأزهر, قد فوجئ عقب تصريحه لوكالة "قدس برس" الاثنين الماضي, انتقد فيه لقاء شيخ الأزهر مع الحاخامات اليهود, ووصفه بأنه "تنازلات مهينة لليهود, لأن اليهود, حتى الحاخامات, محاربون، ومجرمون ومغتصبون، ولا يجوز الحوار معهم, أو التفاوض بغير السلاح, لأنهم يغتصبون أرضا ليست أرضهم" بحسب قوله.. قد فوجئ بوصول خطاب جديد له من جامعة الأزهر (التي فصلته قبل أسبوعين) يطلب منه الحضور للتحقيق في وقائع سابقة في شهر آذار/مارس القادم.
ووصف الشيخ إسماعيل هذا الأمر بقوله إنها ربما تكون محاولة لاستباق قرار من القضاء, الذي اشتكى له, بإعادته للعمل مرة أخرى". رفضوا ذكر أي شيء عن الدولة الفلسطينية وفي الإطار نفسه كشفت مصادر قريبة من كواليس لقاء قادة الأديان, عن أن الأعضاء الفلسطينيين المشاركين في المؤتمر حاولوا إدخال أي تعديلات على البيان في اللحظة الأخيرة, تتضمن الإشارة إلى الدولة الفلسطينية، أو المطالبة الصريحة بشجب العمليات الإسرائيلية الخاصة بهدم بيوت الفلسطينيين, أو اضطهادهم على أساس عنصري, من الجانب الإسرائيلي، بيد أن الحاخامات اليهود رفضوا ذلك تماما, وأيدهم القساوسة الغربيون, بدعوى أن البيان ديني وليس سياسيا، وهو ما دعا البطريرك اللاتيني ميشيل صباح, الذي شارك في مداولات القادة الدينيين في البداية للانسحاب قبل التوقيع على البيان النهائي.
وكان المؤتمر قد أخفق أيضا في التوصل لصيغة مناسبة تتوافق مع آراء قادة الأديان الثلاثة بشأن مصير مدينة القدس, رغم أن القس جورج كاري, قد قال قبل وصوله مصر إن التوصل لصيغة حول المدينة المقدسة أحد الأهداف. وقالت مصادر مصرية إن الوفد اليهودي تشدد في أحقيته بالسيطرة على المدينة, ورفض أي حديث عن أحقية المسلمين أو الفلسطينيين فيها سياسيا, مما دعا المجتمعين لتقصير مدة المؤتمر من ثلاثة أيام إلى يومين, والاكتفاء بالبيان العام, الذي صاغه اليهود والمسيحيون ووقع عليه المسلمون, حسب قول مصادر مصرية. هل لشارون وازع ديني؟ ووصف سمير رجب رئيس تحرير صحيفة الجمهورية المصرية الرسمية والمقرب من الرئيس المصري حسني مبارك استقبال الرئيس المصري لقادة الأديان الثلاثة بأنه دليل على سماحة مصر. وقال, في مقاله الأسبوعي يوم الأربعاء, تعليقا على الفقرة الرابعة من البيان, التي تنص على وقف إطلاق النار "انطلاقا من وازع ديني يحترمه ويطبقه جميع الأطراف وتطبيق توصيات ميتشيل".. "هل لدى شارون أي وازع من أي دين؟.. أنا شخصيا أشك وجميع قادة الأديان الثلاثة, الذين وقعوا على البيان هم أيضا يشكون!", حسب قوله.
وكان الرئيس مبارك قد قال, فيما وصف بأنه رسالة من الرئيس مبارك إلى شارون, عبر الحاخامات اليهود, الذين التقاهم ضمن وفد القادة الدينيين, إن القيادات الدينية يمكن أن يكون لها موقف مؤثر في نشر السلام، وإن العنف لن يؤدي إطلاقا إلى الأمان أو السلام، وإن الطريق لتحقيق الأمان والسلام هو أن يجلس الجميع على مائدة المفاوضات, وأن يتحاوروا ويتناقشوا، ومادامت النوايا طيبة فلا بد أن نصل جميعا إلى الحل السليم.
وكان رئيس الكنيسة الانجليكانية في بريطانيا القس جورج كاري قد وصف بدوره اللقاء بقوله إنه "رسالة مهمة إلى الشرق الأوسط, تتمثل في أننا كزعماء للأديان السماوية الثلاثة نؤكد ضرورة إقرار السلام والعدالة في الأراضي المقدسة"، و"سنعمل سويا من أجل تشكيل لجنة مشتركة دائمة لمواصلة الحوار فيما بيننا, للفت الانتباه من كل جهة, لوقف تصاعد التوتر, والعمل على إعادة المفاوضات إلى مسارها الطبيعي, والتخفيف من معاناة سكان الأراضي المقدسة".
وعقب الصحفي سمير رجب على هذه الدعوة بقوله "ها هم المسيحيون الذين هم من الغرب يطلبون السلام، فما الذي يدفع أمريكا إلى الوقوع في براثن إسرائيل بتلك الصورة التي يشيب لها الولدان؟!.
وأشاد كبير حاخامات اليهود الشرقيين في إسرائيل بكشي دورون بشيخ الأزهر سيد محمد طنطاوي وجهوده, التي قال إنه "يبذلها دون أي حواجز أو عراقيل, من أجل وقف العنف", واعتبرها في غاية الأهمية, في إشارة واضحة إلى فتاوى سابقة لشيخ الأزهر بتحريم العمليات الاستشهادية ضد المدنيين الإسرائيليين، فيما قال وزير الدولة في السلطة الفلسطينية الشيخ طلال السدر إن الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني سيرفعان نتائج اللقاء إلى رئيس الوزراء آرييل شارون والرئيس ياسر عرفات من أجل وضع خطة تطبق على الأرض. نص البيان الصادر عن مؤتمر الأديان الثلاثة في الإسكندرية فيما يلي نص البيان الصادر عن ممثلي الأديان الثلاثة، الإسلام والمسيحية واليهودية, الذي عقد بشكل غير معلن في مدينة الإسكندرية شمال مصر يومي الاثنين والثلاثاء الحادي والعشرين والثاني والعشرين من كانون الثاني/يناير 2002:
بسم الله العلي القدير الرحمن الرحيم
إننا نحن الذين اجتمعنا كقادة دينيين من الطوائف الإسلامية والمسيحية واليهودية، نصلي من أجل أن يحل سلام حقيقي في القدس والأراضي المقدسة. ونعلن التزامنا بإنهاء العنف وسفك الدماء اللذين ينكران الحق في الحياة والكرامة.
ووفقا لمعتقداتنا الدينية فإن قتل الأبرياء باسم الرب يدنس اسمه المقدس, ويشوه المعاني الدينية في العالم.
إن العنف في الأراضي المقدسة هو شرّ يجب أن تتصدى له كافة الشعوب ذات الإيمان الصادق. إننا نسعى إلى أن نحيا معا كجيران, وأن نحترم خصوصية الميراث التاريخي والديني للآخرين. إننا ندعو الكافة إلى الوقوف ضد التحريض والكراهية والتشويه للآخرين.
1 - إن الأراضي المقدسة هي مقدسة لكافة أدياننا الثلاثة. ولذا فإن أتباع الأديان السماوية يجب أن يحترموا قدسيتها, ويجب عدم السماح بأن يمتد سفك الدماء إليها. ويجب الحفاظ على قدسية ووحدة الأماكن المقدسة, ويجب ضمان حرية العبادة الدينية للجميع.
2 - يجب على الفلسطينيين والإسرائيليين أن يحترموا إرادة الخالق, الذي شاءت إرادته أن يعيشوا برحمته على نفس الأرض, التي تسمى بالأرض المقدسة.
3 - إننا ندعو كافة القادة السياسيين من كلا الشعبين إلى العمل من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم, يتماشى مع روح كلمات العلي القدير والأنبياء.
4 - وكخطوة أولى، فإننا ندعو إلى وقف لإطلاق النار انطلاقا من وازع ديني يحترمه ويطبقه جميع الأطراف. كما ندعو إلى تطبيق توصيات ميتشيل وتينيت، بما في ذلك رفع القيود والعودة إلى مائدة التفاوض.
5 - إننا نسعى إلى المساعدة في تهيئة مناخ تتعايش في ظله الأجيال الحاضرة والمستقبلية, في إطار من الاحترام المتبادل والثقة تجاه الطرف الآخر. إننا ندعو الجميع إلى الإحجام عن التحريض, والبعد عن المبادئ الدينية, وإلى تربية الأجيال المستقبلية على ذلك.
6 - إننا كزعماء دينيين نلزم أنفسنا بالاستمرار في السعي الهادئ من أجل سلام عادل يفضي إلى مصالحة في القدس والأراضي المقدسة, من أجل الصالح العام لشعبينا.
7 - إننا نعلن إنشاء لجنة مشتركة لتنفيذ توصياتنا في هذا الإعلان, ومخاطبة قيادتنا السياسية لوضعها موضع التنفيذ.
(ق.ب.)