تساؤلات إشكالية في حال التسوية الفلسطينية الإسرائيلية

بقلم: ماجد كيالي

حفلت عملية التسوية الإسرائيلية ـ الفلسطينية بالعديد من الإشكاليات والالتباسات، وهو أمر بديهي نسبة لطرفين يخوضان صراعا، ليس على الأرض فقط، وإنما على الرموز: الثقافية والتاريخية والدينية، وعلى قيم الحق والعدالة ومعنى الوجود والهوية والمستقبل؛ خصوصا أن هذين الطرفين يعتقدان أنهما يخوضان حربا على الوجود، وليس على شكل الوجود، بحيث أن كل نقطة يحرزها طرف ما ستكون بدون أدنى شك على حساب الأخر.
اللافت أن هذه العملية تفترض مسبقا من قبل الفلسطينيين التنازل عن أرضهم المغتصبة عام 1948، وحقوقهم التي سلبت منهم، ومعاناتهم نتيجة اقتلاعهم من وطنهم. فرواية إسرائيل المتعلقة بالصراع لا تعترف برواية "الأغيار"، وهي تبدأ من اعتبار نفسها نتاجا لحركة تحرر وطني للتجمع الاستيطاني في "اليشوف"، وهي ترفض وجهة النظر التي تعتبر الحركة الصهيونية مجرد حركة سياسية استعمارية استيطانية (إحلالية لليهود وإجلائية للفلسطينيين). وبديهي أن هذه الرواية ترفض الاعتراف بالمسؤولية عن المظالم التي نجمت عن قيام إسرائيل بحق الفلسطينيين؛ بل إنها تحمّل المسؤولية عن ذلك للفلسطينيين وللقادة العرب، كونهم لم يعترفوا بها وبروايتها وبحقوقها في الوقت الملائم!
يستنتج من ذلك أن رواية التسوية الإسرائيلية بالكاد تعترف ببعض التبعات عن المظالم التي لحقت بالفلسطينيين كأفراد (عام 1948)، فهي تبدأ من العام 1967؛ وحتى في هذا المستوى، فإن إسرائيل تعتبر هذه التسوية "تنازلا" أو منّة منها للفلسطينيين، لتأكيد تفوقها الأخلاقي عليهم (!) وتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي، والحفاظ على طابعها كدولة يهودية.
هكذا فإن مشكلة الفلسطينيين مع التسوية جد عويصة ومربكة ومعقدة فهي في كل الأحوال، بل وفي أحسن الأحوال، تعني تخليهم عن شيء جوهري، من أرضهم وحقوقهم وهويتهم ومستقبلهم المشترك، حتى مع إعادة كامل الأرض المحتلة عام 1967، ومع تطبيق حق العودة للاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها.
لكن المشكلة الأكبر للفلسطينيين أن التجربة أثبتت بأن هكذا تسوية هي مجرد عملية متخيّلة، فالواقع هو الذي يفرض التسوية بقوة موازين القوى والمعطيات الدولية والعربية، وهي أمور ليست في صالح الفلسطينيين، كما هو معروف، وبالتالي فإن هذا الواقع لا يمكن أن ينتج تسوية عادلة ومتوازنة بالمعنى النسبي.
الثابت أنه ثمة معارضة فلسطينية قوية للتسوية، ولكن الثابت أيضا أنه ثمة قبول فلسطيني واسع بها، وبالمحصلة فثمة حيرة وازدواجية في موقف الفلسطيني العادي إزاء هذه العملية، فهو ينحو لرفضها نظريا ولكنه مضطر لقبولها عمليا، بحكم طبيعة الأشياء.
عموما يمكن الإقرار بأن التسوية الجارية تتضمن إجحافا بحقوق الفلسطينيين التاريخية، فضلا عن أنها ليست متكافئة، ولا تتضمن اعترافا إسرائيليا بالمسؤولية السياسية والأخلاقية عن المظالم التي لحقت بالفلسطينيين، نتيجة قيام إسرائيل؛ وهو الأمر اللازم لأية تسوية يفترض أن تفتح المستقبل على الاعتراف المتبادل والتعايش والمساواة والعدالة.
لكن بالمقابل، وإذا نحينا جانبا هذا الجدل حول ماهية التسوية الجارية، فإن الأسئلة التي ينبغي طرحها، بالنسبة للخطاب الرافض للتسوية، تفتح على إشكاليات وتعقيدات والتباسات لا تقل خطورة عن سابقاتها.
في الواقع فإن الخطاب الرافض ظل يشتغل على تبيان مخاطر التسوية، وإبراز سلبياتها، أما البديل لديه فظل يتمثل في التمسك بالثوابت والشعارات (وهي نظرية)، وبترك الأمور للمتغيرات المستقبلية (أي للتاريخ). وفي الحالين فإن هذا الخطاب ظل يتجاهل متطلبات الواقع، وتناسى حقيقة أن الزمن يعمل لك وعليك، أيضا؛ فضلا عن أنه لم يأخذ باعتباره أن حركة التاريخ وتطور المجتمعات إنما تتم بصورة تراكمية تدرجية، لا بالقفزات أو على طريقة كل شيء أو لاشيء.
فوق ذلك كله فثمة أسئلة مشروعة ينبغي طرحها على الخطاب الرافض للتسوية، مع إدراك كل سلبيات واجحافات هذه العملية. مثلا: هل تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية الخروج من خيار التسوية عمليا؟ وإذا كان الجواب على ذلك بنعم فما هو مصير م.ت. ف؟ وما هو مصير الكيان الفلسطيني؟ والأهم من هذا وذاك ما هو البديل لمتابعة الفلسطينيين نضالهم لتحصيل حقوقهم، في ظل هذه المعادلات السياسية الدولية والإقليمية؟ ألا يؤدي ذلك إلى التفريط بالتضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني طوال المرحلة الماضية؟
ومن جهة إسرائيل، ألا يعني ذلك الأمر مكسبا لإسرائيل التي ستتمكن من تلبية هدفها بشطب الوجود السياسي للفلسطينيين، لاسيما أن هذه التسوية (المجحفة) تتضمن اعترافا بالشعب الفلسطيني، الذي تمكن من الحضور من الغياب، نتيجة صموده في أرضه ومقاومته العنيدة للاحتلال؟ ثم كيف يمكن تفسير محاولات إسرائيل الدؤوبة لتقويض عملية التسوية (برغم كل ميزاتها بالنسبة لها)؟ ثم ألم تساهم عملية التسوية في طرح الأسئلة عن جدوى وجود إسرائيل وسياساتها (على المستويين الداخلي والخارجي) وفي إبراز وتأجيج التناقضات بين مختلف أطراف الطيف الإسرائيلي، كونها تتطلب منها مراجعة مرتكزات المشروع الصهيوني وإعادة تعريف ذاتها و تحديد حدودها الجغرافية و البشرية والسياسية (دورها الإقليمي)؛ وهي الأمور التي لا تبدو إسرائيل راغبة فيها أو ناضجة لها؟
وإذا انتقلنا إلى الواقع المحيط، العربي والدولي، فهل ثمة بديل عن التسوية والمفاوضات في الواقع الراهن، مع كل السلبيات والعثرات المحيطة بهذا الواقع؟ ثم هل يملك الفلسطينيون لوحدهم (من الناحية العملية) القدرة على التخلي عن خيار التسوية في حين أن النظام العربي برمته يعيش زمن التسوية بل والتعايش مع إسرائيل؟ وبالعكس فهل يملك الفلسطينيون القدرة على ولوج خيار التسوية لوحدهم في حال تخلى النظام العربي عن هذا الخيار وفق معطيات معينة؟
الآن ليس القصد من هذا الجدل إضفاء نوع من المشروعية أو المنطقية على عملية التسوية، فهذه العملية تسير بقوة الواقع، ومعطياته وتضاريسه السياسية، وبغض النظر عن رغباتنا وعواطفنا، ولكن القصد هنا فتح النقاش على الخطاب المعارض للتسوية لتبين نقاط ضعفه، ووقف تهرّباته من عالم الواقع إلى عالم الشعارات والنظريات.
من ناحية أخرى يبدو أن البديل عن حال التسوية أو حال الصراع مع إسرائيل، إنما يكمن في استمرار الواقع القائم (لا حرب ولا سلام)، ولكن هذا الواقع ربما يشكل مكسبا خالصا لإسرائيل، كونها في ظل هذا السيناريو تأخذ كل شيء (الأرض والسلام) ولا تعطي شيئا؛ لاسيما في واقع لا يبشّر بامكان تحسن قدرة العرب على تحصيل حقوقهم.
ولعل البديل المناسب، في الحالة الفلسطينية المعقدة، يكمن في اعتبار عملية التسوية عملية صراعية طويلة (لا سيما في ظل انعدام البدائل)، تتضمن الصمود في الأرض وبناء المجتمع والكيان، وتحدي الطابع الاستعماري والعنصري لإسرائيل، وهذا ما أكدته التجربة المعاشة طوال المرحلة الماضية.
وإذا كان ثمة بديل فلسطيني في هذه الظروف فربما يتمثل في التحول أو التهديد بالتحول من فكرة الانفصال أو الاستقلال في دولة مستقلة إلى فكرة التعايش أو الاندماج والمساواة في دولة ثنائية القومية أو في إطار دولة المواطنين أو الدولة الديمقراطية العلمانية..وهذا هو التحدي السياسي والأخلاقي الذي يمكن أن يطرحه الشعب الفلسطيني، في هذه الظروف العربية والدولية المجحفة أيضا. ماجد كيالي