تزايد حالات نقطة اللاعودة عن الصدام والقطيعة

تبرز حالة نقطة اللاعودة عن الصدام والقطيعة نتيجة ظهور إرادتين متقاطعين لطرفين متنازعين، بحيث إذا تراجع أي منهما عن إرادته، فأن هزيمة نكراء تلحق به.

في مستهل حرب الخليج الاولى احتل العراق مناطق إيرانية كثيرة، وقام صدام حسين بتمزيق اتفاقية الجزائر التي كان بموجبها قد تنازل عن نصف شط العرب ومناطق حدودية لأيران، مطالباً إيران بتلبية مطالبه. إلا أن إيران بدورها امتنعت عن الخضوع لمطلبه وأصر الخميني على مقاومة الاحتلال العراقي لأراضٍ ايرانية، وبذلك فأن التقاطع بين بغداد وطهران بلغ نقطة اللاعودة عن الحرب التي طالت بينهما 8 أعوام الى ان أوقفها المجتمع الدولي عام 1988.

لعقود نجد الفلسطينيين والإسرائيليين أسرى تلك النقطة. الفلسطينيون يطالبون باقامة دولتهم في حدود عام 1967، لكن اسرائيل تأبى ذلك بقوة، وبذلك يتواصل الصراع بينهما بسبب اصرار كل طرف على موقفه.

لقد كانت حالات نقطة اللاعودة عن الصدام والقطيعة في الماضي نادرة جراء الاستقرار النسبي للأوضاع في العالم، غير أنه نتيجة توترها بعد زوال نظام القطبين، فان حالات (نقطة اللارجعة.. الخ) راحت تتزايد، والامثلة كثيرة: (1) مطالبة موسكو لأنقرة بالاعتذار عن اسقاطها للطائرة الروسية فأمتناع أنقره عن الاعتذار (2) اصرار تركيا على ابقاء قواتها في كردستان العراق والعراق لا يكف عن المطالبة بمغادرتها (3) مطالبات الحزب الديمقراطي الكردستاني بعقد اجتماع مع حركة التغيير من دون عودة رئيس البرلمان الى رئاسة البرلمان، بالمقابل تريد التغيير عودته قبل عقد الاجتماع، عليه فأن القطيعة قد تمتد بينهما (4) ان استمرار الخلاف بين روسيا واوكرانيا بلغ تلك النقطة منذ زمن ولا يلوح في الافق ما يوحي بتجاوز البلدين للنقطة تلك (5) في سوريا تتمثل نقطة اللاعودة عن الصدام المسلح دعوة الغرب الى تنحي الاسد عن السلطة كحل للأزمة السورية، بيد ان روسيا وايران ومعهما دول اخرى ترى في الاسد خطاً أحمر.

ان تجارب العالم تجمع أنه عند بلوغ تقاطع الارادات الشديد نقطة اللاعودة عن الصدام والقطيعة فأما الحرب أو قطيعة مزمنة تترتبان عليها. ويلعب الاعلام دوراً واضحاً في تعميق تلك النقطة في غرسه للعداء بين الامم والجماعات وكان التراجع عن الموقف حتى وان كان (الموقف) عيبا مشينا، ويبدو وذلك منذ فطرة أن الطرفين المتخاصمين يفضلان القطيعة المزمنة على الحرب، وبالاخص الاطراف أو الدول التي قطعت شوطاً هاماً من التطور والتحضر.

والان ينتظر العالم بلهفة حلول نهاية للأزمة بين موسكو وانقرة وموسكو واوكرانيا وبين انقرة وبغداد وايران والغرب حول سوريا وبين الاسرائيليين والفلسطينيين والهنود وباكستان حول كشمير.