تركيا وسوريا بين المُهل والتمهّل

بقلم: د. خليل حسين

عند الإعداد لقوات التحالف الدولي لتحرير الكويت من غزو العراق، اعتبر الرئيس التركي آنذاك تورغوت اوزال ان ثمة وليمة كبرى في المنطقة، وبدلا من ان تكون تركيا مجرد مدعو عليها، ينبغي ان تكون شريكة فيها. وبصرف النظر عن الموقع والدور في تلك الحفلة قبل عقدين من الزمن، وعلى الرغم من سياسة "صفر مشاكل" التي اعتمدت لاحقا مع دول الجوار التركي ومنها سوريا، ثمة الكثير من العوامل التي دفعت أنقرة للتطلع إلى أدوار إقليمية عظمى في المنطقة.

ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة في أنقرة، وبروز مظاهر مطمئنة للعرب، بعد اهتزاز علاقة تركيا الإستراتيجية بإسرائيل، اتخذ الموقع التركي في فواعل الشرق الأوسط مناحٍ أكثر انفتاحا تجاه سوريا، وتطورت العلاقات الاقتصادية والسياسية باتجاهات إستراتيجية لافتة، وكأنها محاولة سورية لإقامة علاقات إقليمية متوازية مع الضلع الثالث في المنطقة المتمثل بإيران.

رافقت تلك العلاقات أيضا طموحات تركية ساعدها في ذلك العديد من القضايا العربية تحديدا، من بينها الحراك القائم في غير بلد عربي ومنها سوريا. ونظرا لحساسية الجغرافيا السياسية للدولتين، رأت أنقرة انه من غير الممكن ان تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يجري في سوريا، تحت مسميات متعددة ومتنوعة، وبصرف النظر عن المبررات التي وقفت ورائها في مقاربة الملف السوري، ثمة جملة معطيات اذا ما تطورت يمكن ان تؤدي بوضع العلاقات إلى مزيد من السلم البارد.

في المقابل، وان بدت سوريا أكثر تفهما للأوضاع التي تمر بها المنطقة وبالتحديد سياسات الضغوط الموجهة ضدها، إلا أنها عرفت مؤخرا كيف تدير سلسلة الأزمات الداخلية بأوراق خارجية. فبعد التصريحات التركية العالية السقف ذات الصلة بالأحداث الداخلية السورية، والكلام الذي سبق زيارة وزير الخارجية التركي داوود اوغلو إلى دمشق، من نوع "المهل" وما شابه في عملية التحفيز والتشجيع على السير في خطى الإصلاح، جوبه باستيعاب واحتواء سوري، على قاعدة "التمهل" لا التسرع، سيما وأن سياسة دمشق الإصلاحية، بدأت بمسارات محددة، وان كان من يعتبر نفسه معنيا بها خارجيا غير راضٍ عنها.

صحيح ان سوريا هي جزء من منظومة إقليمية غير معتدلة وفقا لبعض التوصيفات المتداولة، إلا ان ما اتسمت بها سياسة دمشق في آليات إدارة الأزمات التي تتعرض لها عفوا أو قصدا، هي اقرب لسياسات التسويات منها إلى سياسات التصعيد وحافة الهاوية، بدليل ان ولاية الرئيس بشار الأسد منذ بداياتها وهي تتعرض لضغوط غربية وعربية هائلة، وتمكّنت دمشق بفضل تلك التسويات من بلع وهضم معظم المشاريع التي لا تتوافق مع التزاماتها الإقليمية الأخرى. وهذا ما يفسر صمودها حتى الآن بوجه أعاصير عاتية هبت على الشرق وكان من تداعياتها احتلال العراق وتموضع الولايات المتحدة في خاصرتها الشرقية.

ان مجمل تلك البيئات التي تكيّفت معها دمشق، ساعدت وشجعت أنقرة على الانخراط أكثر فأكثر في سياسات طموحة، لم تر منفذا لها سوى القضايا السورية، الجار ذات التاريخ المتأزم منذ سلخ لواء الاسكندرونة. فلعبت دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل ابيب في العامين 2006 و2007، وبصرف النظر عن نتائجها المعروفة سلفا بالنسبة لأنقرة ودمشق، فقد أسست لبيئات أشد وأقوى، ساعدت تركيا على ان تكون فاعلا حتى في النظام الإقليمي العربي أكثر من أي وقت مضى.

لقد صوّرت أنقرة نفسها وهي قادرة يبدو حتى الآن، في موقع القادر على لعب أدوار رئيسة في ترتيب بعض ملفات المنطقة الحساسة، وان كان مدخلها في ذلك، المشاركة في إدارة ملفات الحراك الشعبي العربي في كل من ليبيا وسوريا ولبنان على سبيل المثال. وبصرف النظر عن هذه الواجهة السياسية ثمة ملفات أكثر أهمية وحساسية يمكن لأنقرة ان تفكر في إعادة إحيائها مجددا، ومنها ملفات الصراع العربي الإسرائيلي وقضاياه لا سيما المفاوضات السورية الإسرائيلية تحديدا، وما يستتبعها من تداعيات على منظومة التحالفات السورية الإيرانية في غير مكان عربي.

ربما ان هذا الملف ليس موضوعا في واجهة الحراك الإقليمي والدولي، في وقت تنشغل إسرائيل حاليا بمواجهة عرض الفلسطينيين دولتهم في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر القادم، ورغم ذلك ان جوهر الغليان وتحالفاته في المنطقة يتركز على هذا الملف، تحديدا موقع سوريا فيما تبقى من صراع مع إسرائيل. فهل ستكون "المهل" التركية المعلنة هي إصلاحات سورية مطلوبة، بينما المخفية منها ملفات أخرى تحتاج إلى مزيد من "التمهل" السوري لارتباط الموضوع بأطراف آخرين فاعلين أيضا منهم عربا وغير عرب.!

وبصرف النظر عن نظريات المؤامرة التي ترمى من هنا وهناك، تبقى القضية المركزية شئنا أم أبينا، هي الصراع مع إسرائيل، وثمة كثير ممن يعتبر ان أي حراك أو محددات معينة تجرى محليا في البلدان العربية، هي مرتبطة بسلة من القضايا الإستراتيجية ذات الصلة بالملفات الإقليمية أكثر منها داخلية. كما أن سياق الحراك الإقليمي والدولي هو مرتبط بأزمة كيانات الدول العربية منذ نشأتها، أكثر منها أزمة أنظمة وشعوب تريد التخلص منها.

لقد تراجعت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقدين الماضيين، فيما لم تتمكن أنقرة من صرف هذا المعطى كما يحلو لها مع العرب، فهل هي بصدد إعادة إنتاج ادوار لتعيد التوازن في علاقتها مع كل من سوريا وإسرائيل؛ كما تمكنت دمشق من ذلك قبلا مع كل من أنقرة وطهران، ان ذلك مرهون بالقريب من الزمن، وبالتحديد بين آمال المهل، وآلام التمهل.

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية